الأعداء والمعاملات التجارية

أضيف بتاريخ: 20 - 08 - 2016 | أضيف في: الاقتصاد الإسلامي| عدد المشاهدات : 553

الأعداء والمعاملات التجارية

 

لا يخفى أن المعاملات العامة بين الأفراد والمجتمع لها أثرها الخاص إيجاباً أو سلباً وهذا ما أقره الشرع واعترف بواقعه فكم من شخصية استقرت على حال ممدوح وما هي إلا فترة وتغيرت عن واقعها الملموس وهذا لوجود المؤثرات العديدة التي تسبب في إيجادها وجود المعاملات والمجالسات مع الآخرين الذين تنافي أعمالهم الكتاب والسنة.

لذا دعا الشرع إلى اختيار الجليس الصالح وحذر من مجالسة السيئ لأنه لا يدعو إلا إلى مساوئ الأمور.

وفي الصحيحين : ” إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبه ، ونافخ الكير ، إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة “.

فإذا كان الأمر كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بمن يجالس اليهود والنصارى والملاحدة ويماشيهم ، وربما يرضيهم في أمور حرمها الشرع إلا من رحم الله ،ولا يعني ذلك عدم مخالطتهم لاستفادة العلوم منهم والمتاجرة ودعوتهم إلى الدين متى أمن المسلم على دينه.

إلا أني أستطرد فأقول :

إن المتأمل اليوم في واقع التجار المسلمين يجد العجب العجاب المحير للعقلاء بسبب انجراف كثير منهم نحو الأعداء وموافقتهم لما هم عليه من الأمور المخالفة للشرع فمنهم من تشبه بهم في مآكلهم ومشاربهم ومتاجرهم وقام بعمارة البنوك الربوية وشركات التأمين المحرمة، ودعا إلى التعامل بالربا حتى صاروا كأنه من دعاة الكفر في الوقت نفسه يرى أن غيره متخلف رجعي حتى يكون مثله .

قال ابن تيمية ” ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم ، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم ، ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف بلوازمه من العربية وغيرها ، ومن نقص من العرب إنما نقص بتخليهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما جاءت السنة أن يخالفوا فيه ، فهذا أوجه(1) ” أ .هـ .

وفي الصحيحين : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله  وسلم : الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ، قال :” المرء مع من أحب “.

فكيف وتجار المسلمين إلا من رحم الله دخلوا في سلك موافقة الأعداء وما هم عليه من المساوئ والمخالفات الشرعية والتي تسببت في انهزام التجارة الإسلامية وتجارها لتخليهم عن أحكام المعاملات الإسلامية وخصوصاً في عصرنا الحاضر مع أن الإسلام لم يحرم المعاملات التجارية مع الأعداء بل جوزها في حدود الشرع دونما مخالفة أو مساومة في الدين .

وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن ابن أبي بكر رضى الله عنهما قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله  وصحبه وسلم فجاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله  وصحبه وسلم : بيعاً أم عطية، أو قال : أم هبة؟

فقال : لا ، بيع ،” فاشترى منه شاة “.

وأخرج الإمام أحمد في مسنده : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله  وصحبه وسلم : ” أخذ من يهودي ثلاثين وسقاً من شعير ورهنه درعه” وغير ذلك من الأدلة الشرعية ، والأصل في البيع الجواز سواء مع المسلمين أو غيرهم اتفاقاً إلا بيعاً أضر بالمسلمين”.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم ، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم ، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع من مواشي الأعراب والتركمان والأكراد ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم . فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات ، كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالاً محرماً فهذا لا يجوز.

قال تعالى :{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }.

وإذا كان الذي معهم أو مع غيرهم أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم فذلك لا يجوز اشتراؤها لمن يمتلك لكن إذا اشتريت على طريق الاستنفاد لتصرف في مصارفها الشرعية فتعاد إلى أصحابها – إن أمكن – وإلا صرفت في مصالح المسلمين : جاز هذا.

وإذا علم أن في أموالهم شيئاً محرماً لا تعرف عينه ، فهذا لا تحرم معاملتهم فيه كما إذا علم أن في الأسواق ما هو مغصوب ومسروق ولم يعلم عينه )(2) .

ومن تقليد الأعداء في العصر الحديث : مشاركتهم في بيوع البورصة والأسهم والبيع والشراء عبر شبكة الإنترنت بطرق تخالف شروط البيع كشراء المجهول وبيعه وبيع ما لا ملكية فيه ،فيربح التاجر أرباحاً أو يخسر خسائر عبر الشبكة أو الهاتف وهو لم يعاين ما اشترى ولا عرف مالك البضاعة ولا يدري هل هي ملكية خاصة للبائع أو هي شيء وهمي ، ثم ينتهي الأمر بالتاجر المسلم إلى ثراء من مال مشبوه على أقل أحواله أو يخسر حلاله كله ،وقد سمعنا أخباراً كثيرة وبعضها وقفنا عليه ، فمنهم من أصيب بجلطة بسبب إفلاس أونوبة قلبية أو انتهى حاله إلى السجن لسنوات بسبب ديونه المالية التي ضاعت في الأسهم أو البورصة ونحوها من قضايا تجارية مؤلمة لعدم تأني بعضهم وسؤال العلماء الأتقياء في مثل هذه المسالك التجارية ، والله المستعان.

 


(1)   انظر كتاب : اقتضاء الصراط المستقيم ، لابن تيمية ،ص (162).

(2)   المسائل الماتريدية لابن تيمية ، ص (132) .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد