الأعداء وطرق التجارة الإسلامية

أضيف بتاريخ: 19 - 08 - 2016 | أضيف في: الاقتصاد الإسلامي| عدد المشاهدات : 427

الأعداء وطرق التجارة الإسلامية

للمسلمين طرق تجارية ذات طابع اقتصادي متميز ، عرفت منذ مئات السنين ولا زالت تذكر حتى أيامنا هذه ومن أشهر تلك الطرق :

1 – الطريق البحري من غرب أوربا إلى المشرق ماراً بمصر ، وكان يستقله تجار اليهود الذين يأتون من مقاطعة بروفانس بفرنسا ، ويسميهم المسلمون في ذلك الوقت تجار البحر ، وكانوا يتكلمون العربية والفارسية والفرنسية والصقلية ، ويجلبون من الغرب الديباج والقراء والسيوف ويبدأ هؤلاء رحلاتهم التجارية من بروفانس ، وترسو سفنهم عند الفرما ثم يحملون تجارتهم على الدواب إلى القلزم (ميناء السويس المصري) ومن القلزم تقفل عبر البحر الأحمر مارة بموانيه الهامة مثل جدة ثم يمضون إلى السند والهند والصين، ويحمل التجار في عودتهم سلع المشرق كالمسك والعود والكافور وغير ذلك ، فإذا وصلوا إلى القلزم اتجهوا إلى الفرما أو إلى الإسكندرية ، ومنها إلى بروفانس ، ويقصد فريق منهم أحياناً القسطنطينية التي تسمى اليوم باسطمبول عاصمة “تركيا”.

2 – الطريق التجاري بين بلاد الروس والمشرق عن طريق بحر قزوين ، ومنه تنقل التجارة إلى بخارى وسمرقند ببلاد ما وراء النهر ، ومنها إلى الصين ، ويحمل التجار الذين يأتون من هذه الطريق جلود بعض الحيوانات ، والسيوف ، والشمع ، والعسل ، وكان المسلمون يعاملونهم معاملة طيبة ، ويأخذون منهم الجزية باعتبارهم مسيحيين ، وهي الشرعة التي تناساها كثير من حكام المسلمين في عصرنا الحاضر وما ذلك إلا لبعدهم عن شرعه سبحانه وتعالى ، وضعفهم أمام القوى الأجنبية في العصر الحديث.

وقد زادت أهمية هذا الطريق التجاري بعد أن اعتنق أهل الفلجا الإسلام في أوائل القرن الرابع الهجري، كما أن الساماتيين الذين اقتحموا خراسان وبلاد ما وراء النهر حافظوا على تخوم بلادهم ، كما ضمنوا للتجار الأجانب ربحاً مناسباً ويرجع تاريخ سك معظم النقود التي اكتشفت في شمال أوروبا إلى القرن الرابع الهجري ، وكثير منها ينسب إلى الساماتيين.

3 – الطريق التجاري الذي يسير من المنطقة الواقعة عند مصب نهر السند داخل فارس ماراً بولاية سجستان ، وإلى الشمال من هذا الطريق كانت قوافل البنجاب تنقل مقادير كبيرة من البضائع عبر هضاب أفغانستان وتوصلها إلى كابل وغزنة وغيرهما ،ومن هناك كانت القوافل تسير نحو خرسان غرباً وبخارى شمالاً .

4 – الطريق البري من غرب أوربا إلى الشرق ، ويبدأ من بلاد الأندلس إلى طنجة عبر مضيق جبل طارق، مجتازاً المغرب الأقصى والأوسط والأدنى عن طريق إفريقية (تونس الحالية) حتى يصل إلى مصر ، ثم يتجه إلى بلاد الشام ماراً بالرملة ودمشق ثم إلى العراق ماراً بالكوفة وبغداد والبصرة ثم إلى فارس ماراً بالأهواز ، ثم إلى كرمان والهند والصين(1).

هذه هي الطرق المشهورة منذ القدم ولازال ذكرها حتى الآن بالإضافة إلى طرق متعددة عرفت في الآونة الأخيرة لها شهرتها ومكانتها الاستراتيجية في نمو الاقتصاد الإسلامي ، ولكن الأعداء لم يهنأ لهم عيش ولم يستقر لهم حال بسبب الخير الذي عليه المسلمون اقتصادياً فسعوا إلى الهيمنة التجارية وحاولوا السيطرة على تلك الطرق وموانيها ليحصلوا على ثمار ذلك من ضريبة وأجور ونحو ذلك .

وقدً وجه الأوربيون : اهتمامهم إلى السيطرة على طريق نقل الغلات الآسيوية ، ورأوا أن ذلك لن يتحقق إلا بتطهير البحر المتوسط من البحارة المسلمين .

فعمدوا إلى انتزاع الجزر الكبيرة التي يتحكمون منها في طرق المواصلات ، وقد بدأت هذه الحركة على يد الدولة البيزنطية حين تمكن الإمبراطور روماتس الثاني من الاستيلاء على جزيرة كريت سنة 350هجرية .

ولما اعتلى نقفور فوكاس العرش استخلص جزيرة قبرص سنة 355 هجرية فأوقع الهزيمة بالأسطول المصري الذي حاول استردادها(2).

وفي عام 484 هجرية استولى الأوربيون على جزيرة صقلية التي كانت تحت أيدي المسلمين وذلك في الزمن الفاطمي الفاجر كما حصلت عدة حروب ضد المسلمين للاستيلاء على الطرق والمواني والمراكز التجارية الإسلامية في الشام وبلاد السند وغيرها ودخل الاستعمار بجميع أشكاله إلى البلاد العربية والإسلامية وبقى فترة من الزمن يستغل الغلات التجارية بواسطة تحكمه على تلك الطرق المستعمرة وكان لا يخرج من أرض حتى يجعل له من ينوبه في مختلف المجالات وهذا دأب الأعداء وهذه ديدنتهم عبر العصور ، ولا يزال الاستعمار يعمل جاهداً للسيطرة على أموال المسلمين ولقطع صلة المسلمين بطرقهم التجارية التي تعود عليهم بالمصالح المادية حتى عصرنا الحاضر ، ومما يؤكد ذلك أمثلة كثيرة منها :

أولاً : في اليمن منحت الحكومة اليمنية شركة توتال الفرنسية إمتياز الاستغلال لحقل الغاز اليمني على أن تأخذ الشركة الفرنسية 70% وتأخذ الحكومة اليمينة 30% وبهذا الاتفاق استبعدت اليمن عروضاً لشركة أمريكية وبعد أن احتلت إريتريا ذات القيادة الصهيونية بتحريض من أمريكا جزيرة حنيش الكبري في عام 1417هجرية ، اضطرت حكومة اليمن للتفاوض مع شركتين أمريكيتين هما شركة هنت وشركة اكسون ،وبعد مفاوضات استمرت تسعة أشهر توصلت الأطراف المعنية إلى اتفاق جديد جاء في مضمونة: تأخذ الشركتان الأمريكيتان 38% وتأخذ الشركة الفرنسية 36% وتأخذ حكومة اليمن 26% ، وقد أعقب هذا الاتفاق تأكيد إريتريا بقبولها نتائج التحكيم(3) ، وفعل اًما هي إلا أيام وسلموا جزيرة حنيش لحكومة اليمن.

 فعلام يدل ذلك؟

حيث والمصادر السياسية تؤكد أن الغزو الإريتري ما هو إلا للتوصل إلى طريق مضيق باب المندب في حال رفض الحكومة اليمنية التفاوض السلمي كما يزعمون وحتى يسيطر الأعداء على هذا الممر التجاري الذي تخضع سيطرته للحكومة اليمنية فكانت السيطرة على جزيرة حنيش بمثابة ورقة ضغط لقبول ما يشترطه الأعداء تحت مسمى المفاوضات المشتركة .

ثانياً : وجود مجموعة سفن وقطع بحرية عسكرية سريعة الحركة في البحر الأحمر تتردد ما بين مضيق السويس ومضيق باب المندب تدعي أنها وجدت لإحكام محاصرة العراق ولئلا يستفيد من ميناء العقبة الأردني ، وهذه حجة داحضة إذ الجيش العراقي لا يستطيع أن ينهض حتى يقاوم بعد هزيمته المؤلمة والتي تحمل بسببها ما لم يكن بالبال ومن أعظمها موافقته على دفع تعويضات وخسائر الحرب بما يزيد على مائتي مليار دولار غير خسائره التي تخصه بالإضافة إلى نسف كل المصانع الحربية والكيماوية والبيولوجية والتقليدية ، فماذا بقى من قوة العراق التي تدعيها أمريكا ودول التحالف الأجنبي، لم يبق سوى اللعب بأفكار وعقول المسلمين حتى تتم السيطرة التي يسعى لها الأعداء فكل هذا وغيره مما نحن بصدده دليل واقعي يؤكد حقد الأعداء وطمعهم للسيطرة على الطرق والممرات التجارية الإسلامية .

فمتى يعقل المسلمون ويتفطنون لواقعهم؟؟ حتى يعرفوا عدوهم فيقفوا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص ويحافظوا على اقتصادهم بحماية الطرق والممرات البحرية والبرية التي تخدم التجارة الإسلامية فيا للمسلمين.

 


(1) انظر كتاب تاريخ الحضارة الإسلامية ، لمحمد جمال الدين ، ص 148 – 150.

(2) راجع المصدر السابق ، ص153 – 154 .

(3) انظر مجلة الوعى اللبنانية ، العدد (117) ، ص (8).

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد