الرسالة الختامية الموجهة إلى كل عالم وداعية

أضيف بتاريخ: 02 - 08 - 2017 | أضيف في: مقالات| عدد المشاهدات : 126

الرسالة الختامية الموجهة إلى كل عالم وداعية
الحل الأمثل في حل النزاعات التي مزقت الصف وكيفية التعامل مع الخلاف
(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (33) والأخيرة
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني.

في ختام هذه الدراسة أقول: إن المتأمل اليوم في واقع الخلافات بين المسلمين على مستوى الجماعات الإسلامية بشكل عام، وعلى مستوى أصحاب المنهج السلفي بشكل خاص يجد أن هناك قواسم مشتركة يمكن للجميع أن يتفق عليها ويتعاون في إطارها، ولنفرض أن هناك ثمانين بالمائة متفق عليه من حيث العقيدة والمنهج والسلوك وأن هناك ما يعادل عشرين بالمائة مختلف فيه، وهذا يعني أنه يمكن لهؤلاء المختلفين أن يتعاونوا فيما اتفقوا عليه وفق الكتاب والسنة، وأما ما اختلفوا فيه فيلزمهم التناصح وفتح باب الحوار والمناظرة بين مشايخ كل طرف، ثم لنفرض أنهم بعد الحوار والمناظرة لم يتفقوا على شيء مما اختلفوا فيه من هذه النسبة القليلة، فيبقى التعاون بينهم في إطار المتفق عليه، فمثلا:
أولاً: إن غزا العدو بلداً من بلاد المسلمين اتفق جميع المختلفين – على اختلاف جماعاتهم – على دحر العدو، ولا يقول شخص قد يتعذر ذلك بسبب وجود هذه الاختلافات بين المشايخ والجماعات في عصرنا الحاضر، لأني الآن بصدد بيان أصول متفق عليها بين العلماء المتقدمين والمتأخرين وفقاً لأدلة الشرع، إلا أنها صارت لا تطبق اليوم بسبب بُعْد الناس عن دينهم وكثرة اختلافاتهم غير المنضبطة بالشرع، وضعف ولاياتهم في أراضيهم، فأنا أضع بين أيديكم أصولاً شرعية، ولا أصدر أوامر لجميع المسلمين لتنفيذ هذه المهمة ونحوها، لأن تنفيذها مطلوب شرعاً وعقلاً، فعوا ما أقول.
ثانياً: إن رأى أحدهم المنكر اتفقوا جميعاً على إنكاره، وإن لزم الأمر لاجتماعهم كعلماء ودعاة مختلفين فلهم أن يجتمعوا على كلمة سواء، وليكونوا لجنة علماء – من الأطراف المختلفة في المنهج والمتفقة في إنكار المنكر – لتذهب للسلطان وتناصحه في إزالة هذا المنكر بالعلم واللين والحكمة، ومتى كان العلماء والدعاة عقلاء حكماء هابهم الملوك والرؤساء، فإذا تفرقوا وتنافروا وتدابروا فلن يهابهم أحد، بل ستسقط هيبتهم وثقتهم لدى عوام المجتمع فضلاً عن طبقة المتعلمين، وهذه عادة قديمة، يعرفها كل من قرأ تاريخ الأوائل وأدرك أحوالهم، ولكن بعض الفضلاء لا يعقلون.
ثالثاً: إن حصلت نكبة للمسلمين في أي بلد فلهم أن يتفقوا جميعاً في مساعدة إخوانهم المنكوبين من خلال أي جمعية موثوقة أو لجنة مشتركة من الأطراف المختلفة في المنهج والمتفقة لنصرة إخوانهم المسلمين.
رابعاً: لنفرض مَرِضَ داعية أو شخص من أي جماعة أو فئة كانت ، فمن حقه على إخوانه المسلمين زيارته للتخفيف عنه مع استغلال الحدث للنصيحة الملائمة؛ كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع ابن اليهودي،فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم». فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم: فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:« الحمد الذي أنقذه من النار».
خامساً: على من يقول بجواز الانتخابات لمصلحة ما، في بلد ما، بناء على فتوى اللجنة الدائمة والألباني وابن باز والعباد وغيرهم من العلماء – كما أسلفناه في مقال الحلقة رقم 11 من هذه الدراسة والتي بعنوان (تنازع العلماء في مسألة : ” الخوض في الانتخابات البرلمانية ” – وفقا لقاعدة المصالح والمفاسد ووفقاً للضوابط الشرعية حسب الزمان والمكان، أرى أن ينتخب الناس الأصلح والأنفع اعتباراً بفقه الأولويات الشرعية.
ولا تعني هذه التفريعة التعاون المطلق بين الصالحين والأحزاب، وإنما التعاون مقيد ضد عدو مشترك في حدود الشرع لدفع مفسدة تضر بالأمة أو المجتمع المحيط، كما لا تعني أن ينشئ المتعاونون حزباً وتكتلاً واحداً للتعاون المطلق والسكوت على الأخطاء، فهذا لا نقصده لأنه خلاف قواعد الشرع الحكيم.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: ” ومن المعلوم أنه لا يتم أمر العباد فيما بينهم، ولا تنتظم مصالحهم، ولا تجتمع كلمتهم، ولا يهابهم عدوهم، إلا بالتضامن الإسلامي، الذي حقيقته التعاون على البر والتقوى، والتكافل، والتعاطف، والتناصح، والتواصي بالحق، والصبر عليه، ولا شك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية، والفرائض اللازمةـ وقد نصت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، على أن التضامن الإسلامي بين المسلمين – أفراداً وجماعات، حكومات وشعوباً- من أهم المهمات، ومن الواجبات التي لا بد منها لصلاح الجميع، وإقامة دينهم وحل مشاكلهم، وتوحيد صفوفهم، وجمع كلمتهم ضد عدوهم المشترك، والنصوص الواردة في هذا الباب من الآيات والأحاديث كثيرة جداً، وهي وإن لم ترد بلفظ التضامن: فقد وردت بمعناه، وما يدل عليه عند أهل العلم، والأشياء بحقائقها ومعانيها، لا بألفاظها المجردة، فالتضامن معناه: التعاون والتكاثف، والتكافل، والتناصر، والتواصي، وما أدى هذا المعنى من الألفاظ، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله سبحانه، وإرشاد الناس إلى أسباب السعادة والنجاة، وما فيه إصلاح أمر الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك تعليم الجاهل، وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم، ورد الظالم عن ظلمه، وإقامة الحدود، وحفظ الأمن، والأخذ على أيدي المفسدين المخربين، وحماية الطرق بين المسلمين داخلا وخارجا، وتوفير المواصلات البرية والبحرية والجوية، والاتصالات السلكية واللاسلكية بينهم، لتحقيق المصالح المشتركة الدينية والدنيوية، وتسهيل التعاون بين المسلمين في كل ما يحفظ الحقن ويقيم العدل، وينشر الأمن والسلام في كل مكان.
ويدخل في التضامن أيضاً : الإصلاح بين المسلمين، وحل النزاع المسلح بينهم، وقتال الطائفة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله([1]) “اهـ
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “علينا أن نجتمع على الحق ونتعاون عليه، وأن نخلص في جميع أعمالنا، وأن نسعى لهدف واحد هو إصلاح هذه الأمة إصلاحاً دينياً ودنيوياً بقدر ما يمكن، ولن يمكن ذلك حتى تتفق كلمتنا، ونترك المنازعات بيننا، والمعارضات التي لا تحقق هدفاً، بل ربما تفوت مقصودا وتعدم موجوداً([2])“اهـ.
سادساً: لو ظهر ظلم على أي مسلم من آخر حاكماً كان أو محكوماً لزم جميع المختلفين أن يقفوا يداً واحدة ضد الظالم بحيث يعالجون الظلم بالحكمة والروية بعيداً عن مفاسد أعظم من رفع الظلم.
هذه مجرد أمثلة للتعاون المشروع بين الجماعات الإسلامية المختلفة ، وعليها فقس غيرها من الأمور الممكنة شرعاً، ولا تعني هذه الأمثلة وما أشبهها أنها خلاف المنهج الشرعي في التعامل مع المخالف لمنهج السلف، فإن هجر المبتدع وعدم الجلوس معه والأخذ عنه كما تقدم شيء آخر لا ينافي التعاون مع المسلمين المخالفين ومناصحتهم ومحاورتهم ومناظرتهم عند الحاجة، وخصوصاً في حقل الدعاة المختلفين، أما صغار الطلاب والعوام فهم تبع لمشايخهم وليس لمثلهم أن يناظر أو يحاور حتى يطلبوا العلم ويتأهلوا فيه.
فهجر العلماء وعامة الأمة للمبتدعة أمر مطلوب، والتعاون معهم فيما هو مشروع عند الحاجة – وخاصة أمام العدو المشترك – شيء آخر في حدود الحاجة – وهو مطلوب شرعاً أيضاً كما تقدمت أمثلته، والمسألة في هذا الباب بعينه اجتهادية حسب الزمان والمكان، فليست أحوال البلدان وأهلها واحدة، وإنما نُحكِّم قاعدة المصلحة والمفسدة، والظهور حسب غلبة أهل السنة من ضعفهم وقلتهم، فلا ينبغي تحميل كلامي المتقدم ما لا يحتمل، فلا نقصد بذلك أن يجتمع أهل السنة والطوائف الأخرى ومن خالفهم من الجماعات على مائدة واحدة ، معرضين عن التناصح وبيان الحق، فإن هذا اجتماع لا بركة ولا خير فيه، وبهذا الذي ذكرناه قامت قواعد الشرع وأدلته.
وقد عُرض على اللجنة الدائمة وعلى رأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله السؤال الآتي: «الجماعات والفرق الموجودة الآن أقصد بها جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، وجماعة أنصار السنة المحمدية، والجمعية الشرعية، والسلفيين، ومن يسمونهم التكفير والهجرة، وهذه كلها وغيرها قائمة بمصر؛ أسأل ما موقف المسلم منها؟ وهل ينطبق عليها حديث حذيفة رضي الله عنه: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» رواه الإمام مسلم في الصحيح؟
فأجابت اللجنة : كل من هذه الفرق فيها حق وباطل وخطأ وصواب، وبعضها أقرب إلى الحق وأكثر خيراً وأعم نفعاً من بعض؛ فعليك أن تتعاون مع كل منها على ما معها من الحق وتنصح لها فيما تراه خطأ، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك»([3])اهـ.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: « وعلينا أن نجتمع وأن نتناقش فيما اختلفنا فيه، حتى إذا تبين الحق مع أحد الجانبين وجب على الآخر اتباعه، لأن الله قال في كتابه العظيم: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59]» ([4])اهـ.
سمعت أحد المشايخ يقول: سمعت الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي رحمه الله ينصح الشيخ حامد الفقي ويقول له: ناصح الشيخ حسن البنا بحكمة ولين ولا تغلظ عليه، فإنه يدخل الجامعات ويعظ الطلاب فيغير أفكارهم المنافية للدين ويقبلون منه، بل يصل إلى أماكن لا نستطيع أن نصلها فلا تثبطه في هذا، وكان البنا يومها على علاقة مع بعض المشايخ السلفيين الذين يختلفون معه في قضايا منهجية؛ كالشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محب الدين الخطيب الدمشقي، إلا أنهم كانوا يرون أن الغلبة في زمانهم لأعداء الدين من علمانيين وناصريين وشيوعيين ونحوهم، فكانوا يناصحون البنا بحكمة ويوجهونه لبعض المسائل التي يرون أن جماعة الإخوان خالفوا فيها منهج السوي، ويتعاونون معه في بعض القضايا التي يرون فيها المصلحة راجحة، وكان الألباني رحمه الله يتعاون مع إخوان سوريا حسب مصلحة الأمة في الخمسينيات والستينيات الميلادية، وقد سمعت الشيخ محمد زهير الشاويش رحمه الله، والعهدة عليه يقول: “في الأربعينيات الميلادية كان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ممن يشارك بصوته في انتخابات سوريا”، وهذا إن صح فإن الشيخ الألباني ينظر للقضايا العارضة من منظور المصالح والمفاسد حسب الزمان والمكان، فتارة يحذر منها كما في عامة فتاواه، وتارة يقول بها حسب المصلحة والمفسدة كما تقدم في مقالي من الحلقة رقم11، وأيضاً كما حكاه عنه الشاويش، ومما يؤكد ذلك أيضاً أنه أفتى أهل الجزائر والكويت بخوض الانتخابات، ثم لما تفاقم الأمر وتغير بعض النواب عن الجادة، أنكر عليهم بعض تصرفاتهم وما آل إليه بعض أحوال المرشحين.
قال الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله: « ومما تشكوه الدعوة الإسلامية هذا اليوم النفرة وعدم الانسجام وقلة التعاون بين الجماعات التي تتصدى كل واحدة منها للدعوة إلى الله، وفي الواقع أن أكثر تلكم الجماعات بحاجة ماسة إلى من يدعوهم إلى الله ويُبصرهم في دينهم حتى يكونوا مؤهلين أولاً في أنفسهم للدعوة بالقضاء على التنافر فيما بينهم وتنافر مناهجهم وبرامجهم في العمل» ([5]).
وهنا مسألة مهمة وهي، هل يجب على أصحاب المنهج السوي التعاون مع بقية الجماعات الإسلامية الأخرى للرد على العلمانيين واللبراليين والبعثيين وغيرهم من أعداء الدين؟
فالجواب: إن كان المقصود أن يتكتل الجميع ويكونوا جبهة واحدة تصدر قراراً ورداً واحداً من خلال جبهة واحدة أو حزب واحد يجمعهم فلا، وهو متعذر واقعاً وشرعاً؛ لأن هذا فيه مخاطرة، حيث قد يفهم منه العدو أن السني السوي وغيره جماعة واحدة، فينتفي التميز الذي هو من خصائص المنهج الصحيح، فليس هناك مصلحة شرعية لعمل تكتل كهذا، لكنه يلزم على كل مسلم مهما اختلفت جماعته أن يرد الباطل الذي يروج له العلمانيون واللبراليون والبعثيون وغيرهم من أعداء الدين، بحيث يلزم صاحب المنهج السليم أن يرد رداً صحيحاً بأدلة الكتاب والسنة لا بالخطاب الحركي السياسي الانتمائي الذي يغلب عليه إهمال أدلة الشرع في كثير من المواقف.
والحاصل أن الحل الأمثل لهذه النزاعات بين أهل السنة مع بعضهم البعض ومع غيرهم من الجماعات الأخرى يتمثل في عودة الجميع للعلم الشرعي الصحيح الذي يبين لنا المنهج السليم في كيفية التعامل مع المخالف والطرق السليمة للتعاون بين المختلفين في حدود الشرع، فهو منهج تربية وتصفية.
وفي حال كانت المسائل المختلف فيها عارضة أو نازلة أدت إلى فرقة وخصام، وكل طرف تمسك بدليل مجمل أو قول للسلف يحتج به على الآخر، لزم الجميع أن يرجعوا لكبار علمائهم لأخذ المشورة والفتوى في العارضة أو النازلة .
وقد ذكر الله عز وجل هذين الحالين في قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[النساء:83].
قال شيخنا صالح الفوزان: «يرد إلى الرسول إليه صلى الله عليه وسلم في حياته وإلى سنته بعد وفاته ( وإلى أولي الأمر) وهم أهل العلم وأهل السياسة والعقل، ولاة الأمور فيحلون هذه المشاكل ويضعون لها الحلول الناجحة بإذن الله عز وجل، هذا هو طريق الحل في هذه المسألة، ويتولى ذلك أهل العلم وأهل الرأي من الرعية – أهل الرأي والبصيرة والعقول – ما هو بالفوضى والدهماء»([6]) .
فإذا تفاقم الأمر وتعذر تطبيق الحلول السابقة، – وهذا هو الواقع الذي نعيشه اليوم -، فليس أمامنا – فيما يبدو لي – سوى: قيام ثلة من العلماء الربانيين المصلحين الغيورين على جمع الكلمة، ووحدة الصف، فيجتمع هؤلاء الأكابر ويختارون من كل دولة إسلامية أو فيها أقليات إسلامية عالماً معتبراً من أهل السنة والجماعة، باعتبار أن الخلافات عمت دول العالم الإسلامي وغيره، فيجتمع هؤلاء جميعاً من كل الدول الإسلامية، ويكون لهم جدول أعمال خلال الدورة المقررة للاجتماع، ولتكن مكة «أم القرى» مقر اجتماعهم، أو الموطن الذي تراه اللجنة العلمية المُصلحة، ومن هنالك يستدعون رؤوس الشخصيات المختلفة ويجلسون معهم بقصد الحوار والإصلاح، فيضعون مسائل الخلاف للحوار والمناقشة، ثم يعالجونها على ضوء الكتاب والسنة من خلال جلسات مغلقة، ثم يصدرون وثيقة صلح بين الأطراف المختلفة، موقعة من اللجنة المُصلحة ورؤوس الأطراف المختلفة بحيث تشمل الوثيقة نقاط الخلاف متبوعة بما تم الاتفاق عليه عند كل مسألة، ثم نشر هذه الوثيقة المتفق عليها بين الأطراف، مع بيان عام للأمة حول هذه المسائل التي خرج بها مجلس الحوار والمناقشة، مشتملاً على الطريقة المثلى في كيفية التعامل مع من يخرج عما تم الاتفاق عليه سواء من الموقعين أم من غيرهم من العلماء والدعاة وطلبة العلم الآخرين، بحيث يكون هناك اجتماع سنوي لهذه اللجنة من خلال إدارة تنضم سير هذه الاجتماعات وجدول أعمالها الدورية، وتستقبل من دول العالم الرسائل المحتوية على ما طرأ من الخلافات العارضة لعرضها على لجنة المصالحة العلمية في دورتها المقبلة، بحيث لا تخضع هذه اللجنة لأي تكتل حزبي، وأرجو الله عز وجل أن يتم هذا الأمر أو ما يماثله لأهميته حسماً للنزاع والفرقة، وعلى هؤلاء الأعلام الكبار ” أعضاء اللجنة ” الذين قادوا هذا المجلس أن يسعوا جادِّين لجمع الكلمة وإنهاء النزاع، لكون الأمة تنظر إليهم نظرة إجلال وتوقير، وإن حصل شيء يسير من لمز وهمز من بعض الأطراف إلا أنها لا تضرهم مقابل ما حباهم الله به من الدين والعلم ورجاحة العقل وإجلال الأمة لهم.
ويكفي هؤلاء الأعلام الكبار شرفاً قوله تعالى: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء:114].
وأخرج البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد رضي الله عنه: «أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم».
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عن سهل الساعدي رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس من أصحابه».
قال ابن القيم رحمه الله: «فالصلح الجائز بين المسلمين يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدا العدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم»([7]).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: «أنا أريد بالحركة العلمية أن يكون هناك من العلماء الموثوقين والمرضيين من الجانبين، يجمعون هؤلاء ويتكلمون معهم، والشباب إذا نُمّوا على هذا سيكونون غداً رجالاً ويديرون دفة الأمة، فإذا تربوا على هذا الخلاف وهذه البغضاء وهذه الكراهة حصل شرٌّ عظيم»([8]).
وقال رحمه الله: «والواجب علينا أن نصلح بين الناس، والإصلاح ما هو؟ ليس معناه أن نقف موقف المتفرج، لا بد من حركة، حركة علمية للإصلاح»([9]).
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
انتهت بحمد الله حلقات هذه الدراسة، ونسأل الله أن ينفع بها الاسلام والمسلمين، وبإمكان أي شخص طلب كل حلقات هذه الدراسة في ملف واحد ” بي دي إف”.

 

——- حواشي ومصادر المقال ——-

([1]) انظر فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (2/192،193).
([2]) ابن عثيمين، شرح الأصول الستة (ص 162).
([3]) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء، جمع وترتيب الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، مكتبة المؤيد بالرياض، الطبعة الثالثة، 1419هـ، (2/238)، الفتوى رقم (6280).
([4]) ابن عثيمين، سلسلة اللقاء الشهري، شريط رقم (1)، السؤال الثالث.
([5]) محمد أمان الجامي، مشاكل الدعوة والدعاة في العصر الحديث (ص24).
([6]) الفوزان، خطبة جمعة مسجلة صوتيات بعنوان: «وجوب التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة»، منشورة على موقعه الإلكتروني.
([7]) ابن القيم، إعلام الموقعين (1/109).
([8]) ابن عثمين، فتوى صوتية لفضيلته ردا عن سؤال ورده يتعلق بالخلافات بين السلفيين، وهو منشور على الشبكة العنكبوتية.
([9]) ابن عثيمين ، المصدر السابق.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد

‫wpDiscuz