القاعدة العاشرة : ملل الكفر واحدة ، وإن اختلفت أديانهم ، ويلزم دعوتهم إلى الإسلام فإن أبوا دفعوا الجزية فإن أبوا فالسيف

أضيف بتاريخ: 06 - 09 - 2016 | أضيف في: مباحث في العقيدة| عدد المشاهدات : 357

القاعدة العاشرة : ملل الكفر واحدة ، وإن اختلفت أديانهم ، ويلزم دعوتهم إلى الإسلام فإن أبوا دفعوا الجزية فإن أبوا فالسيف


وهذا ما دعت إليه شريعة محمد عليه الصلاة والسلام لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَمَّر أميراً على جيش ، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيراً” .
ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا مَنْ كفر بالله ، اغزوا ، ولا تغلوا([1]) ، ولا تغدروا([2]) ، ولا تمثلوا([3]) ، ولا تقتلوا وليداً([4]) ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم:
1.  
ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا([5]) أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الغنيمة ، والفيء([6]) شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين .
2.  
فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم .
3.  
فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه([7]) فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك. فإنكم أن تخفروا ذممكم([8]) ، وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله .
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا “([9]).
وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ، وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله”([10]).
والسنة بهذا الحديث تفسر قوله تعالى : “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ([11]) وَهُمْ صَاغِرُونَ”([12]).
قال الحافظ في الفتح : وقال أبو عبيد : ثبتت الجزية على اليهود
والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة([13]).
قلت : والجزية تؤخذ من كل كافر لم يسلم على أصح الأقوال ، ولكون من فرَّقَ بين ملل الكفر لم يَسْلَمْ من اعتراض ، والأدلة في هذا الباب قوية صريحة ، وأما الآية السابقة فتحمل على الحديث السابق فيقال : قاتلوا من أبى الإسلام وامتنع عن دفع الجزية حتى يدفع الجزية إن أبى الإسلام بدليل الغاية فيقوله جل ذكره : “حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون“.
قال القرطبي في تفسيره : لما حرم الله على الكفار أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم بما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها قال الله عز وجل : “وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً([14])”([15]) الآية على ما تقدم ، ثم أحل في هذه الآية الجزية ، وكانت لم تؤخذ قبل ذلك فجعلها عوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم فقال الله عز وجل :”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ، ولا باليوم الآخر” .الآية.
فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكراماً لكتابهم ، ولكونهم عالمين بالتوحيد، والرسل ، والشرائع ، والملل ، وخصوصاً ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، وملته ، وأمته .
فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة ، وعظمت منهم الجريمة فنبه على محلهم ، ثم جعل للقتال غاية ، وهي إعطاء الجزية بدلاً من القتل وهو الصحيح.
قال ابن العربي : سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النَّظْر يتلوها ،و يحتج بها .
فقال : “قاتلوا” وذلك أَمْرٌ بالعقوبة ، ثم قال : “الذين لا يؤمنون“.
وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة .
وقوله : “ولا باليوم الآخر” تأكيد للذنب في جانب الإعتقاد .
ثم قال : “ولا يحرمون ما حرم الله و رسوله” زيادة للذنب في مخالفة الأعمال ، ثم قال : “ولا يدينون دين الحق” إشارة إلى تأكيد المعصية بالإنحراف ، والمعاندة ، والأنفة عن الإستسلام ثم قال : “من الذين أوتوا الكتاب” تأكيد للحجة لأنهم كانوا يجحدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال : “حتى يعطوا الجزية عن يد” فبين الغاية التي تمتد وعين البدل الذي ترتفع به الثانية([16]).

================


[1] لا تخونوا في الغنائم.
[2]
تنقضوا العهود و تُأمِّنوا ثم تقتلوا من تُأمِّنوه.
[3]
تقطعوا الأطراف ونحوها.
[4]
صبياً لا يقاتل.
[5]
رفضوا.
[6]
ما يكون بغير حرب.
[7]
الذمة : العهد بالحفظ والكلاءة.
[8]
تنقضوا عهدكم بالحفظ لهم.
[9]
أخرجه مسلم في صحيحه رقم 1731.
[10]
أخرجه البخاري في صحيحه رقم 25 ، ومسلم في صحيحه رقم 21 ، 22.
[11]
قهر لهم وغلبة و هم ذليلون حقيرون مهانون.
[12]
سورة التوبة ، الآية رقم : 29.
[13]
ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، مرجع سابق ، 6/260.
[14]
فقرًا.
[15]
سورة التوبة ، الآية رقم : 28.
[16]
العلامة محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ، تفسير القرآن العظيم ، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني ، دار الشعب ، القاهرة ، 1372هـ ، 8/109.