تاريخ وأصول الأحزاب السياسية وحكم الانضمام لها

أضيف بتاريخ: 09 - 10 - 2017 | أضيف في: مقالات| عدد المشاهدات : 24

تاريخ وأصول الأحزاب السياسية وحكم الانضمام لها

( ضمن موضوع دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية وأصول الأحزاب السياسية)

الحلقة (16)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

سبق أن تكلمت عن الأحزاب السياسية ودورها الحزبي في ظل النظام الديمقراطي وغيره من الأنظمة الوضعية – سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية ، ليبرالية أو علمانية، أو اشتراكية ، متقدمة أو نامية – من خلال المقال السابق الذي كان بعنوان “الموقف الشرعي من الديمقراطية في حال فرضها على الشعب”.

وفي هذا المقال أقول: إن معرفة تاريخ وأصول الأحزاب السياسية وكل ما يتعلق بها من بنود وتقسيمات، إنما هو من باب قول الشاعر:

عَرَفْتُ الشّرَّ لا لِلشّرِّ, لَكِنْ لِتَوَقّيهِ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشّرَّ, منَ الخيرِ يقعْ فيهِ

فهذه أحزابٌ لا خير فيها ولا يحل الانضمام لها، فقد فرقت المسلمين وأضعفتهم، ولم تحقق أي هدف إيجابي في كل دول العالم العربي والإسلامي سوى التفرقة وضعف الدولة وزيادة الأزمات وسفك الدماء ونهب أموال الشعب، والعمالة لأعداء الله، والتحاكم لأهل الكفر للتدخل في شؤوننا الداخلية، ومن مفاسدها أيضا الصراع بين قادة الأحزاب في العالم كله كما هو مشاهد وملموس ويتكرر ثم يتطور إلى اتهامات تصل إلى تصفيات لبعض القادة عبر المافيا وعصابات وجهات مجهولة عند الغرب وعند العرب المسلمين.

وقد سبق في المقال المذكور آنفاً بيان حكم الدخول فيها وأنه لا يجوز فأغنانا ذلك عن التكرار،

ورحم الله القاضي عبدالرحمن الأرياني رئيس مجلس الرئاسة اليمني الذي قال قولته الشهيرة في السبعينيات: “إن الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة” أي أنّ الأحزاب مجرد امتداد لقوى خارجية وليست كيانات محلية، وأنها مصدر خطر فكري وثقافي على البلد.

وقد صدق رحمه الله، فهذا واقع الأحزاب اليوم.

ولبيان موضوع هذا المقال الذي نحن بصدده، فسأتحدث حول ذلك بشيء يجمع بين الإيجاز والتفصيل من خلال عشرة محاور، فأقول وبالله التوفيق:

المحور الأول: حقيقة الأحزاب السياسية وتاريخها

تأسست الأحزاب السياسية منذ مطلع نصف القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك في إنجلترا عام 1832م، ثم ظهرت بعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم انتشرت في بقية العالم، ولعل “بنجامن كونستان” من أوائل من وضع بنيانها وتعريفها بالشكل الذي يتقارب مع تعريف المؤرخين الأوربيين في القرن التاسع عشر الميلادي، وكان لها وجود في القرن الثامن وما قبله لكنها لم تكن بالهيكلة والأصول والوظائف والشروط التي كانت عليها في مطلع نصف القرن الثامن عشر الميلادي.

وأحسن ما قيل في تعريفها هو ما عرفه بها “جون بانوا” حيث قال في تعريف الحزب السياسي “وفقاً للنظام الديمقراطي في الواقع” بأنه: تجمع منظم بقصد المساهمة في تسيير المؤسسات والوصول إلى السلطة السياسية العليا في الدولة لتطبيق برنامجه في الدولة وتحقيق مصالح أعضائه”، وهذا ما عليه جمهور الغربيين في العصر الحديث أن مصلحة الحزب وأعضائه في الواقع الملموس فوق مصلحة الشعب والوطن، ومن ينكر ذلك فإنما يكذب الواقع المشاهد، الذي يشهده القاصي والداني.

والقاعدة الأساسية في منشأ الأحزاب السياسية: أن الحزب يتأسس وفق النظام الديمقراطي أو غيره بموجب اتفاق مجموعة من مواطني الدولة على مجموعة أفكار ومعتقدات (إيديولوجيات) ورؤى برامجية بهدف الوصول إلى السلطة، فيكون في الدولة أكثر من عشرة أحزاب أو عشرين أو أكثر، وكلها أحزاب متفرقة تتناحر وتتنافس لأجل الوصول إلى السلطة، وهذا عين التفرق والتحزب الذي نهى عنه الشارع الحكيم.

وقد لقيت هذه الأحزاب معارضة في أوربا من شعوبها ورجالها المؤرخين العقلاء منذ بدايتها، وقالوا : إنها عامل شقاق وصراع وفوضى، وتقضي على الوحدة الوطنية وتزرع الخلافات والانقسامات بين المواطنين، بحيث يظل المواطنون في معارضة دائمة وتنافس غير شريف مع بعضهم البعض مع نقد مستمر بين الأحزاب السياسية المتناحرة، فلا ينتهي النقد ولا يتوقف، لأن كل مواطن يتحدث عن حزبه وباسمه، ويدعي أن عنده حلول مشاكل الوطن بما يصب في مصلحة حزبه مما أدى إلى تحويل بعض هذه الأحزاب إلى تنظيمات تعمل لمصلحة الخارج، وهذا سبب رئيس في ضعف الحكومات وصنع الأزمات العالم، وكذلك التسلط على السلطة وخيراتها من خلال أغلبية الأصوات، هكذا اعترضوا عليها قبل أن تدخل بلادنا العربية، وقد صدقوا لكن سلطات النبلاء والأعيان وأصحاب النفوذ والمصالح والصهاينة في القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا فرضوها بالقوة على الشعوب.

ورغم نقدها ومحاربتها وردها منذ ظهورها في دول الغرب إلا أن العرب تلقفتها بسهولة بسبب الضغوط على حكامها، لأن القوة اليوم هي التي تحكم العالم.

وقد تعجبت لبعض غوغائية العرب وهو يقول: “إن الأحزاب السياسية مدراس للتثقيف والتكوين يتخرج منها رجال السياسة وإطارات تكون قادرة على قيادة البلاد، وتقوم بتوجيه الجماهير وتكوين رأي عام، ويتيح الحزب الفرصة للأفراد للتحاور المستمر مع السلطة، وبالتالي المشاركة في الحياة السياسية، وإن وجود معارضة منظمة يؤدي إلى محاسبة وانتقاد الحكام، وهذا يمنع الحزب الحاكم من الاستبداد، وتحقيق التداول إلى السلطة، ووجود الأحزاب السياسية يؤدي إلى تنظيم المعارضة وتسمح للأقليات بالتعبير عن رأيها، وتعمل الأحزاب على تحديد وتشخيص المشاكل المختلفة الموجودة في المجتمع وبالتالي وضع حلول لها”.

وهذا مجرد كلام مترجم من كلام الغرب الذين فرضوا الأحزاب السياسية على شعوبهم، أما أنه واقع فلا وجود له، بل لم نجد دولة مستقرة إلا وفيها فوضى عارمة بسبب التعددية الحزبية حتى على مستوى الدول المتقدمة كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا، وقد سبق أن قلت: ” إن الصراع بين قادة الأحزاب في العالم كلها كما هو مشاهد وملموس يتكرر ثم يتطور إلى اتهامات تصل إلى تصفيات لبعض القادة عبر المافيا عند الغرب أو عبر عصابات وجهات مجهولة عند العرب”.

المحور الثاني: شروط قيام الأحزاب السياسية في الدولة

يوجد في كل دولة تسمح بالتعددية الحزبية قانون ينص على شروط مزاولة واستمرارية وقيام الحزب السياسي في الدولة وفقاً للدستور، وعادة ما تكون الشروط كالتالي:

الأول: أن يكون للحزب اسم لا يماثل أو يشابه اسم حزب قائم.

الثاني: عدم تعارض مبادئه وأهدافه وبرامجه ووسائله مع الدين الإسلامي الحنيف، وسيادة واستقلال الوطن ووحدته أرضاً وشعباً، والنظام الجمهوري ودستور الدولة، مع عدم معارضته للحريات والحقوق الأساسية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، والانتماء القومي العربي والإسلامي

الثالث: عدم تطابق برنامج الحزب أو التنظيم السياسي مع برامج الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى عند التقدم بطلب تأسيسه وذلك فيما يتعلق بالسياسات التي يعتمد عليها في تحقيق أهدافه في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

الرابع: أن يكون له نظام داخلي وبرنامج عمل سياسي مقرين من أعضائه عند التقدم بطلب التأسيس.

الخامس: عدم قيام الحزب أو التنظيم السياسي على أساس مناطقي أو قبلي أو طائفي أو فئوي أو مهني أو التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون.

السادس: عدم قيام الحزب أو التنظيم السياسي على أساس مناهض للدين الإسـلامي أو على أساس تكفير الأحزاب أو التنظيمات السياسية الأخرى أو المجتمع وأفراده أو الادعاء بالتفرد بتمثيل الدين أو الوطنية أو القومية أو الثورة.

السابع: يحظر على الحزب أو التنظيم السياسي إقامة تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية أو المساعدة في إقامتها، كما يحظر عليه استخدام العنف بكل أشكاله أو التهديد به أو التحريض عليه، وأن تتضمن برامجه أو نشراته أو مطبوعاته ما يحرض على العنف أو إقامة تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية علنية أو سرية.

الثامن: أن لا يكون الحزب أو التنظيم السياسي تابعاً لأي حزب أو تنظيم سياسي أو دولة أجنبية ويحق لأي حزب أو تنظيم سياسي إقامة علاقات ثنائية متكافئة مع أي حزب أو تنظيم سياسي غير منتمي للدولة وبما لا يتعارض مع المصلحة الوطنية العليا ونصوص الدستور والقوانين النافذة.

التاسع: علانية مبادئ وأهداف ووسائل الحزب أو التنظيم السياسي وتشكيلاته وقيادته.

العاشر: قيام الحزب أو التنظيم السياسي على أساس وطني بحيث لا تحصر العضوية في منطقة جغرافية معينة.

الحادي عشر: ‌يقدم الإخطار بتأسيس الحزب كتابة للجنة الأحزاب المنصوص عليها وفقاً للقانون، مصحوبا بتوقيع أعضائه المؤسسين مصدقاً رسمياً على توقيعاتهم، بحيث يعرض الإخطار عن تأسيس الحزب والمستندات المرفقة به على لجنة الأحزاب بالدولة.

الثاني عشر: من حق الدولة بعد المشاورة إسقاط أي حزب يخل بأي شرط من الشروط المتقدمة.

ومما يلاحظ في الشرط الثاني عدم الإساءة للدين والوطن، لكن للأسف عادة أكثر قادة الأحزاب السياسية – كما نشاهد – هو الإساءة للدين والوطن ولعلماء الدين، دون محاسبتهم من النظام القائم.

ويلاحظ أيضاً أن الشرط الثامن، شرط يمثل خطراً على الدولة والنظام، وخصوصاً أنه نص على أنه “يحق لأي حزب أو تنظيم سياسي إقامة علاقات ثنائية متكافئة مع أي حزب أو تنظيم سياسي غير منتمي للدولة” وهذا الشرط لم أجده بهذه الصيغة إلا في قانون الأحزاب باليمن، وهو السبب الذي استغلتها بعض الأحزاب اليمنية لتكون شبيهة بمنظمات تعمل للخارج بدعم خارجي على حساب الدولة ونظامها، ولا أدري سبب إدخال هذه الفقرة الخطرة.

كما نص قانون الأحزاب في بعض الدول على ميزانية مالية للأحزاب من خزينة الدولة، ففي قانون الأحزاب في اليمن لعام 91 و95م، وهو معتمد حتى هذا العام 2017م، كما في المادة رقم (17)، حيث جاء في الفقرة رقم (2) منح الأحزاب الإعانات المخصصة من الدولة.

ومعنى ذلك أن هذه الأحزاب تمثل عبئاً كبيراً على الخزينة المالية على حساب الوطن والمواطن.

ولا تتم الموافقة على منح ترخيص الحزب لأي جهة حزبية حتى توقع على الشروط المذكورة والمتضمنة احترام النظام الديمقراطي ومبادئه، والتي عامتها يتصادم مع الشريعة الإسلامية لأنه حكم بغير ما انزل الله.

ولذا تجدون كل قادة الأحزاب بغير استثناء يمجدون الديمقراطية ويدافعون عن مبادئها، وبعض المدافعين وللأسف ينسبون انفسهم للعلم الشرعي، وهم ابعد ما يكون منه.

المحور الثالث: أصل أسباب نشأة الأحزاب

تختلف أسباب قيام الأحزاب نظراً لأصل نشأتها تاريخياً، ويمكن تقسيمها إلى عدة أسباب:

السبب الأول: أحزاب نشأت من داخل البرلمانات ومن تنظيم الناخبين.

وهذا كان قديماً في إنجلترا وفرنسا وخصوصاً عام 1789م حيث تأسست مجموعة من الأحزاب من داخل البرلمان الإنجليزي والفرنسي.

السبب الثاني: أحزاب نشأت من نقابات وكنائس وجماعات دينية ولا دينية ماركسية وسرية.

وبدأ هذا النوع عام 1899م بتأسيس حزب العمال البريطاني مكونناً من نقابة العمال، ومثل ذلك أيضاً الأحزاب الاشتراكية.

ومنها ما كان بعد عام 1914م من منطلق ديني وراء الكنيسة مثل الحزب المحافظ الإيطالي، والحزب الديمقراطي المسيحي الألماني.

وأما بسبب السرية فلكونه ممنوعاً وغير مصرح به فكان يعمل سراً، ومثاله الحزب الشيوعي السوفياتي الذي كان نشاطه ممنوعاً قبل سنة 1917م، ثم تحول إلى الحزب الحاكم بعد نجاح الثورة البلشفية سنة 1917م.

السبب الثالث: أحزاب نشأت لمقاومة الاستعمار.

كحزب الوفد المصري، وحزب الاستفلال المغربي، وحزب الدستور التونسي، وجبهة التحرير الجزائرية، وحزب المؤتمر الهندي، والحزب الوطني الإندونيسي وغيرها.

السبب الرابع: أحزاب نشأت بعد الاستقلال من الاستعمار.

وقد أنشأتها سلطة الدولة للمحافظة على نظام القائمين بالحكم مثل حزب الاتحاد الاشتراكي في السودان والاتحاد الاشتراكي في مصر.

المحور الرابع: تصنيفات الأحزاب السياسية

تصنف الأحزاب السياسية في العصر الحديث – من حيث المشاركة والتنظيم والتعبئة أو الأساس الاجتماعي – على عدة تقسيمات تتلخص في التالي:

النوع الأول: حزب تجمعي، وهو الحزب الذي لا يهتم كثيراً بأفكار ومعتقدات المشاركين فيه، وهمه فقط جمع أكبر عدد من الأصوات والمنضمين له، ومثاله حزب التجمع اليمني للإصلاح باليمن، وإن كان في أصله حزباً يدار بقيادة الإخوان المسلمين.

النوع الثاني: حزب ناخب، وهو شبيه بالسابق لكن يختلف أن حزب الناخب لا ينتقد النظام السياسي والاجتماعي، ويراهن فقط على مناصرة المرشحين، والعمل على استقطاب أوسع لهيئة انتخابية.

النوع الثالث: حزب نضالي: وهو الحزب الذي يقوم على قاعدة جماعية وفق مبادئ وأفكار وتنظيم واستراتيجية سياسية محددة كالحزب الاشتراكي الشيوعي.

النوع الرابع: حزب أعيان، وهو الحزب الذي يختار أعضاءه من صفوة المجتمع من تجار ومسؤولين وطبقات عالية، فلا يفكر في العدد الكثير وإنما يفكر في استقطاب صفوة المجتمع الرفيعة.

المحور الخامس: عناصر الحزب السياسي، وأقسامه من حيث الهدف والمشروع السياسي

العنصر الأول: التنظيم.

لكل حزب هيكلة تنظيمية ونظام أساسي يقوم عليه وفق لوائح ومهام وأفكار ومبادئ محددة، يحددها مؤسسوه.

العنصر الثاني: المشروع السياسي.

لكل حزب مشروع سياسي وهدف محدد، فهدف ومشروع الأحزاب الاشتراكية والشيوعية يتضمن تغيير النظام وفق القانون الاشتراكي الذي يدعي تسوية البشر مع بعضهم في الأرض والمال حسب زعمهم، وليس له معتمد ديني في هذه الحياة.

وأما أحزاب اليمين أو ما تسمى بالوسط فهدف مشروعها السياسي يتمخض في المحافظة على النظام الرأسمالي إما بإبقائه على ما هو عليه وإما بقبول بعض التطورات، وهذا ما عليه عامة الأحزاب الديمقراطية المعاصرة.

المحور السادس: أنواع الأحزاب من حيث الفكرة

سبق وقلنا بأن الأحزاب من حيث الهدف والمشروع السياسي ثلاثة وهي : اشتراكية وعادة ما تسمى يسارية، وأحزاب الوسط وعادة ما تسمى يمينية وهي الأحزاب الديمقراطية الرأسمالية.

وأصل التسمية تعود إلى زمن الثورة الفرنسية عام 1789م، حيث كان النواب (اليمينيون) يجلسون إلى اليمين وكانوا موالين للملكية والمعارضون (اليساريون) يجلسون إلى اليسار في البرلمان الفرنسي.

كما تنقسم الأحزاب من حيث الفكرة إلى ثلاثة أقسام وهي :

الأول: أحزاب إيديولوجية أو أحزاب البرامج: وهي الأحزاب التي تتمسك بمبادئ وأفكار محددة ومميزة، كالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية الماركسية.

الثاني: أحزاب برجماتية: وتوصف هذه الأحزاب بالمرونة بمعنى ليس لها مبادى وبرامج ثابتة ولكنها تتغير حسب الحدث والواقع، كالأحزاب الديمقراطية الرأسمالية.

الثالث: أحزاب أشخاص: وهي كل حزب ارتبط مسماه بزعيم أو شخص مشهور مثل الحزب الناصري نسبة للرئيس جمال عبد الناصر إلا أنه لا يعدو عن كونه حزباً اشتراكياً، ولأسباب كثيرة دخل في هذا الحزب مبادئ ديمقراطية يمينية وإن كان في أصله يسارياً، فحزب الأشخاص في العادة لا يمكن أن تكون كل أصول أفكاره قائمة على مبدأ شخص واحد، وإنما اكتسب منه المسمى لسبب أو لأخر.

المحور السابع: مهام وأدوار الحزب السياسي الخاصة به كحزب

لخصت هذه الأدوار والمهام في المقال السابق الذي بعنوان: ” الموقف الشرعي من الديمقراطية في حال فرضها على الشعب” وخلاصتها ما يلي مع زيادة إيضاحات:

الدور الأول: تقديم البرامج السياسية التي تخضع للانتخاب الشعبي فإذا فاز برنامجه في التصويت فإن الحكومة تدرجه في مشروعها.

الدور الثاني: الاعتراض على السلطة وتبني مقترحات بديلة، وكل حزب يقترح البديل وفق توجهه الحزبي ويسميها ” إصلاحات” وقد لا تكون إصلاحات حقيقية، وعادة ما تكون إصلاحات تخدم الحزب بالدرجة الأولى، وهذا ما عليه جمهور الغربيين في أن مصلحة الحزب وأعضائه في الواقع فوق مصلحة الشعب، ولا يكون اقتراحه وبديله ملزماً لكنه في العادة يحدث فوضى وبلبلة في الحياة السياسية من قبل المعارضين، لأن كل حزب يدعي أنه النزيه والحزب العظيم، وهذه المنافسات والاعتراضات والتصادمات بين الأحزاب تعرض الوطن والشعب إلى مزيد من التذبذب والتقهقر وخاصة إذا كان هذا الحزب ممولاً من الخارج ليؤدي رسالة العمالة للخارج ويصير مثل منظمة تقاد من الخارج ضد الوطن، وما أكثر هذا النوع الحزبي في بلادنا العربية من خلال السفارات الأجنبية أو العربية المعادية لدولة ما.

الدور الثالث: خوض الانتخابات البرلمانية باختيار وانتقاء المرشحين للمناصب الانتخابية بحيث يمثل الحزب في البرلمان نواب منظمون من قبل الحزب يتكلمون ويقترحون وينافسون باسم الحزب، فإذا كانت أغلبية الأصوات لحزب ما فإنه مرشح لقيادة البرلمان والحكومة.

وقد يصل بالمنافسة في الانتخابات الرئاسية إلى تولي رئاسة السلطة، فيكون هذا الحزب هو “الحزب الحاكم”.

وعادة ما يعمل الحزب على تعزيز العلاقة بين النائب ” المرشح” والناخبين وإبقاء النائب في إطار التزاماته واحترام برنامجه المقترح من طرف حزبه قبل أن يرشحوه ليقنع الجمهور أنه سيكون صالحاً ونافعاً أفضل من غيره في حال فوزه بمنصب ” عضو البرلمان”.

الدور الرابع: السعي لجمع منتميين جدد وتثقيفهم بهدف الانتماء للحزب.

الدور الخامس: دور الوساطة.

حيث يظل الحزب وقادته وسطاء في الدفاع عن حقوق الحزب وميزانيته المالية من الدولة، وحقوق أعضائه والسعي لحلها.

الدور السادس: حل الصراعات داخل الحزب بين النواب والقادة الداخليين، سواء أكان النظام المؤسساتي للدولة برلمانياً أو رئاسياً أو شبه رئاسي.

الدور السابع: مناضلة الحزب لأجل بقائه حزباً معترفاً به.

الدور الثامن : الحصول على تأييد الجماعات والأحزاب والأفراد لاستغلال أصواتهم لأجل الوصول إلى السلطة، والاستيلاء على الحكم ولو بالتحالفات مع الأحزاب الأخرى التي كانت يوماً من الدهر عدواً لهذا الحزب الحليف، لأن السياسة قائمة على المصالح الحزبية، وليس لها مبدأ شريف يحكمها سوى مبدأ المصلحة.

المحور الثامن: وظائف الأحزاب التي يطلبها نظام الدولة من كل حزب

هناك خمس وظائف رئيسة يقوم بها كل حزب سياسي في الدولة، وهي تختلف من حيث الشكل عن الأدوار والمهام التي سبق ذكرها آنفاً، لأن هذه الوظائف التالية يطلبها نظام الدولة من كل حزب، وتتلخص هذه الوظائف في التالي:

الوظيفة الأولى وظيفة التعبئة:

وتعني التعبئة حشد الدعم الجماهيري والتأييد لسياسة الدولة الداخلية والخارجية، فالحزب يقوم بهذه التعبئة باعتباره يدعم لحمة المجتمع ونظام الدولة وإن كان معارضاً للحزب الحاكم، ويظهر إخلاصه للدولة كحزب عند الأزمات التي تكون على الوطن من الداخل والخارج، وخصوصاً وقت الحروب.

الوظيفة الثانية وظيفة دعم الشرعية:

حيث يلزم كل حزب أن يؤيد شرعية الدولة بحيث يقف صفاً واحداً ضد كل من يسعى إلى التخريب والنيل من دين الدولة ووحدتها ونظامها وعاداتها وتقاليدها من خلال الكلمة والحقل الميداني.

وهذه الوظيفة عادة ما تكون مفقودة في ظل الانحراف الفكري وتعدد الاتجاهات والأفكار الحزبية المتضادة والتي تحول بعضها إلى شبه منظمات تخدم الدول الكبرى.

الوظيفة الثالثة وظيفة التجنيد السياسي:

الأصل أن التجنيد السياسي خدمة يقوم بها الحزب للدفاع عن سياسة الحكم الذي يعتبر الحزب أحد المنافسين للوصول للسلطة لكن تغيرت المفاهيم وصار التجنيد السياسي اليوم عبارة المناقشات الحزبية والانتخابات داخل هياكل وأبنية الأحزاب والتدريب على ممارسة التفاعل الداخلي، وبين الأحزاب مع بعضها البعض والانغماس في اللجان والمؤتمرات الحزبية

فتحول التجنيد السياسي إلى مجرد توزيع أدوار قيادية تخدم الحزب قبل أن تخدم الدولة ونظامها.

الوظيفة الرابعة الوظيفة التنموية:

وتعني قيام الأحزاب بإنعاش الحياة السياسية في المجتمع في ظل نظام الحكم القائم، ومن ذلك السعي لحل مشاكل المجتمع وانعاش دور النقابات المهنية والعمالية، مع وجود تأثير فعلي في البرلمان يخدم الشعب والوطن.

الوظيفة الخامسة وظيفة الاندماج القومي:

وذلك أن الدولة الواحدة تحتضن مجموعة من المشاكل بسبب القوميات والعنصريات واختلاف الأفكار وربما الأديان فتسعى الأحزاب لتثقيف المجتمع لمنع التصادم واحترام المختلفين بعضهم لبعض.

المحور التاسع: وسائل الأحزاب السياسية

وتتمخض هذه الوسائل في ما يلي:

أولاً: تمثيل الحزب في البرلمان والحكومة، مناقشاً ومقنعاً غيره – في البرلمان ولدى الجمهور خارج البرلمان – بأفكاره وبرامجه التي يرى أنها تخدم الحزب والشعب معولاً على بيان عوار وعيوب السلطة والأحزاب الأخرى المعارضة له ليظهر نفسه أنه أفضل الأحزاب وإن كان أسوأها أو ليس بأفضلها، ولكن هكذا يكون الهوس الحزبي الذي همه تحسين صورته أمام الآخرين.

ثانياً: دمج المصالح الخاصة في المصلحة الوطنية:

حيث يحمل كل حزب قيم ومبادئ الوطن من خلال شعاراته لأن مثل هذه الشعارات – وإن كانت مزيفة – تعطيه صورة شبه إيجابية في الظاهر أنه الحزب الوطني الغيور على مصلحة الشعب والوطن، وبمثل هذه الشعارات ينخدع أكثر الشعب، وقد يمتلك الحزب بعض الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام التي تروج له ولشعاراته.

ثالثاً: إنشاء الندوات والمؤتمرات ومجالس المناقشات الخاصة بأعضاء الحزب، وقد تمتد لتكون دعوة عامة الجمهور للحضور، من خلالها يحاول محاضرو الحزب إقناع الجمهور بأفكاره وبرامجه التي يصورها للناس في أنها تخدم الوطن والشعب، ومعنى ذلك أنه سينفق أموالاً طائلة لمثل هذه الندوات والمؤتمرات ومجالس المناقشات.

رابعاً: وسائل العنف.

وهذه وسائل لا يضطر لها الحزب السياسي في العادة إلا في حالات طفيفة وقد تكون من خلال المظاهرات والعصيان المدني والاعتصامات، وكلها لا تخلو من ضرر على الشعب والوطن، والواقع أكبر شاهد.

المحور العاشر: النظم الحزبية في ظل النظم السياسية الثلاثة “النظام الديمقراطي والنظام الشمولي والنظام التسلطي”

عادة ما تختلف النظم الحزبية لاختلاف شكل النظام السياسي في الدولة حيث تنقسم في العادة هذه النظم الحزبية إلى قسمين رئيسين:

القسم الأول: النظم الحزبية التنافسية.

وهي ثلاثة أنواع، نظم التعددية الحزبية، ونظام الحزبَيْن، ونظام الحزب المهيمن.

فأما نظام التعددية الحزبية: فيعني وجود مجموعة أحزاب متنافسة ومتعارضة ومتفاوتة في التأثير كحال اليمن الجريح اليوم وهولندا.

وأما نظام الحزبين الكبيرين: فيعني أنه يوجد بالدولة مجموعة كبيرة من الأحزاب، لكن هناك حزبان كبيران عادة ما يتبادلان السلطة لغالبية الأصوات كالحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري بأمريكا.

وأما نظام الحزب المهيمن: فيعني أنه يوجد بالدولة مجموعة كبيرة من الأحزاب، لكن هناك حزب كبير عادة ما يتولى السلطة لغالبية الأصوات في كل دورة انتخابية.

القسم الثاني: النظم الحزبية اللاتنافسية.

وهذا يعني وجود حزب حاكم واحد هو الوحيد الذي يحكم ولا توجد هناك تعددية حزبية، لأن الدولة تمنع ذلك، كحزب المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه الرئيس علي عبد الله صالح باليمن في 24 أغسطس 1982 م، وظل هو الحاكم حتى عام 2012م، ثم سلم الحكم لنائبه في المؤتمر الشعبي العام الرئيس عبدربه منصور هادي، والذي لا زال رئيساً حتى هذه الساعة من عام 2017م وفقاً لمبادرة خليجية نصت على أن يتنازل لنائبه في ظل حكومة انتقالية.

ومن الملاحظ أن المؤتمر الشعبي العام كان هو الحزب الحاكم من غير منافس منذ عام 1982م حتى سمحت الدولة اليمنية بالتعددية الحزبية عام 1992م، وذلك بصدور القانون رقم (66) لسنة 1991 م بشأن الأحزاب والتنظيمات السياسية ،حيث تنص المادة (13) من القانون على تشكيل لجنة تسمى لجنة شؤون الأحزاب والتنظيمات السياسية، وتختص هذه اللجنة بفحص الطلبات المقدمة لتأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية والتحقق من توافر الشروط القانونية الواجبة لإنشاء كل حزب، و لقد تم تشكيل هذه اللجنة في شهر مارس 1992م.

ويوصف هذا النوع –وهو ما قبل السماح بالتعددية الحزبية – عند الديمقراطيين بالنظام التسلطي.

ولتمام الفائدة أقول: مما تقدم يتبين لنا أن كل دولة فيها نظام سياسي واحد من هذه الأنظمة الثالثة وهي:

الأول النظام الديمقراطي: وهو نظام سياسي يسمح بالتعددية الحزبية التي تتبادل السلطة بينها كأحزاب، وتكون هذه الأحزاب ذات أيدولوجيات “أفكا” مختلفة، لكنها ملزمة بعدم التصادم بمبادئ الديمقراطية.

الثاني النظام الشمولي: وهو نظام سياسي يسمح بالتعددية الحزبية التي تتبادل السلطة بينها، وتكون الأحزاب فيها ذات أيدولوجيات “أفكا” مختلفة لكن لا تصب كلها وفقاً لمعيار مبادئ الديمقراطية وإنما لمجموعة متفاوتة منها الفاشي والديمقراطي والشيوعي.

ومن ثم فمن استلم السلطة حكم بموجب مبادئه.

الثالث النظام التسلطي: وهو نظام سياسي لا يسمح بالتعددية الحزبية ولا بأفكار شاملة تتصادم مع الحزب الواحد الحاكم، وقد يكون فاشياً، وقد يكون شيوعياً، وقد يكون نظاماً عادلاً نظراً لصلاح الحاكم أو حسن تدبيره فتستقر به الدولة، ويحصل به الأمن والاستقرار وتتحقق به العدالة، لكن التسمية الديمقراطية وصفته بالنظام التسلطي، وهكذا هي نظرة الأنظمة الوضعية التي اخترعها غير المسلمين.

ومن المشاهد الملموس الذي لا ينكره عاقل أن: هناك حكومات ملكية وسلطانية وأميرية تمنع التعددية الحزبية، وقد تسمح بها في نطاق ضيق لا يتعلق بتداول هرم السلطة، وتكون سلطتها بالوراثة، ومع ذلك فهي أحسن حالاً من الجمهوريات الديمقراطية من حيث قوة الأمن والولاء الشعبي والاستقرار والعدالة ونحوها، وقد رأينا أن هذه الحكومات الملكية والسلطانية والأميرية لم تختل في ظل ثورات الربيع العربي عام 2011م، بينما سقطت جمهوريات عربية ديمقراطية متعددة الأحزاب نظراً لهذه الثورات التي قامت بها الأحزاب السياسية.

ومن هنا يتبين للقارئ الكريم خطر التعددية الحزبية، وأنها أساس سقوط الدول وضعفها بسبب تناحرها على السلطة وتصادم أتباعها من الجماهير مع غيرهم من المعارضين، ومن ثم تخلو الساحة للعدو كي يتدخل باسم المصالحات الوطنية وحل النزاعات بين الأحزاب، ونحو ذلك من الادعاءات الكاذبة.

والحقيقة أنه تدخل لأجل إجهاض وحدة الشعب والوطن وزرع الأحقاد والنزاعات وتوسيع دائرة الخلاف بين المسلمين، ولكن من يعقل ويدرك هذا الخطر الذي جلبناه بأيدنا من الخارج والذي تلقيناه من خلال إرساء مبدأ التعددية الحزبية ومبادئ العفن الديمقراطي.

ولعل ما تقدم فيه كفاية، وسنتكلم بإذن الله قريباً عن ” مشروع قيام الدولة الحديثة في ظل النظام الإسلامي”، ليتبين للقارئ الكريم الفارق الكبير بين النظام الإسلامي الإلهي وبين الأنظمة الوضعية ” الديمقراطية والشيوعية والفاشية ونحوها”.

وفق الله لجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

 ———————

أهم مصادر المقال:

1-قانون الأحزاب في كل من: (الجمهورية اليمنية، جمهورية مصر العربية، الجمهورية الجزائرية، المملكة المغربية، أمريكا، بريطانيا، بلجيكا، روسيا، فرنسا).

2- حسني بوديار، الوجيز في القانون الدستوري للمملكة المغربية، طبعة مصورة عن إحدى الجمعيات المغربية.

3-الدكتور أسامة الغزالي، الأحزاب السياسية في العالم الثالث، طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت.

4- المحامي احمد حسين يعقوب، طبيعة الأحزاب السياسية العربية، طبعة الدار الإسلامية عام 1997م

5- محمد حسين الفيلي، الأحزاب السياسية في الكويت واقع قائم ومستقبل منظور، مسودة مصورة من الكاتب.

6- مايكل ستاين، الأحزاب السياسية والديمقراطية من الناحيتين النظرية والعملية، طبعة منظمة MobileActive.

7-موريس دوفرجيه، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري، طبعة النيل والفرات.

8- الدكتور المهدي السر سار، القوى السياسية، مسودة تم إعدادها عام 2008م.

9- أعداد قديمة متفرقة من صحيفة الميثاق وصحيفة الصحوة اليمنيتين، مع صحف عربية متفرقة.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد

‫wpDiscuz