تصحيح مفاهيم حول الديمقراطية وثورات الربيع العربي

أضيف بتاريخ: 05 - 08 - 2017 | أضيف في: مقالات| عدد المشاهدات : 35

تصحيح مفاهيم حول الديمقراطية وثورات الربيع العربي

( ضمن موضوع دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية وأصول الأحزاب السياسية)

الحلقة (3)

بقلم د. صادق بن محمد البيضاني.

 

تكلمت في اللقاءين السابقين عن حقيقة الديمقراطية وأنها تشريع وضعي لحكم الشعب نفسه بنفسه، وقلت هي أصل يوناني مكون من مقطعين أحدهما demos وتعني الشعب والأخرى crates وتعني الحكم أو السلطة، لذا فمعناها عند الديمقراطيين: ” الشعب هو صاحب السلطة أو الشعب يحكم نفسه بنفسه.
وقلت: هذه حقيقتها ومفهومها من كلام وأقلام من أسسها وصنعها وخاصة أقطابها ورواجها كـــ : لورد برايس وسيلي وجون ستيوارت وغيرهم.
وقلت: لم يقل هؤلاء الديمقراطيون: إن الديمقراطية مجرد آليات لأمور إدارية تنظيمية وشكلية فحسب، بل قالوا هي تشريع لحكم الشعب نفسه بنفسه ليختار الحاكم مع مطلق الحرية لسن أحكامه عبر الناخبين بشكل دوري من خلال المجالس البرلمانية.
وأشرت أنه يؤكد تعريفها الذي قلناه ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام في إحدى خطبه : ” بأنها حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل الشعب”.
لكن تفاجأت بوجود تساؤلات وشبه وعبارات طرحها بعض القراء، مما يضطرني أن أجيب عليها قبل أن أتحدث عن: ” دور المسلمين المحافظين في ظل النظام الديمقراطي وطريقة التعامل مع النظام وحاكمه وفقاً لأدلة الكتاب والسنة”.
فإليكم ما طرحه القراء مع الجواب عليه باختصار:
أولاً: قال بعضهم إن الدول الإسلامية والعربية التي تدعو إلى الديمقراطية جعلت دستورها الشريعة الإسلامية، ومعنى ذلك أنها لم تطبق الديمقراطية بحذافيرها.

والجواب : نعم عموم الدول الإسلامية والعربية فيها خير، وقد جعلت في دساتيرها أن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية، وبعضها جعلت الشريعة الإسلامية أهم مصادر تشريعاتها، أو من مصادر تشريعاتها حسب العبارات من دولة لأخرى، وإنما قصدت ببيان حقيقة الديمقراطية أن أبينها على أصولها وأيضاً أن الغرب والصهيونية العالمية تضغط بكل قوة على ولاة أمرنا في البلاد الإسلامية العربية لتنفيذ الديمقراطية بحذافيرها، ولولاة الأمر دور في رفض ومحاولة رفض كل ما يمليه الغربيون الديمقراطيون، وهناك من تنازل لقبول بعض الأحكام الديمقراطية لسبب أو لآخر، وقد ذكرت أمثلة سابقة ومشرفة لبعض الولاة كما في مقالي : ” المسلمون اليوم، وما يحوم حولهم من أخطار”، وقلت في مقالات أخرى : لا تعترف الديمقراطية بأحكام شرعية إسلامية أبداً، ولو كانت تعترف بذلك ما ناقش البرلمانيون في بعض البلاد الإسلامية، ومنها عربية التصويت على جواز بيع الخمر بالأغلبية، أليس شرب الخمر محرماً بالكتاب والسنة ولا يقبل التصويت؟!! وهناك دول عربية صوتت على الاختلاط في المدارس والجامعات من خلال البرلمان بالأغلبية أليس الاختلاط محرماً وذريعة للمفاسد ومنصوصاً على تحريمه؟!!
وهناك دول عربية صوتت على جواز النوادي الليلية مع التغاضي عن بيع الخمور فيها ووجود الداعرات والزنا، أليس هذا منصوصا على تحريمه؟!! وأمثلة كثيرة، ناهيك عن تطبيق التشريع الديمقراطي بحذافيره في البلاد الكافرة”.
لذلك عموم الدول الإسلامية والعربية تجعل في دساتيرها أن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية، أو الشريعة الإسلامية أهم مصادر تشريعاتها، أو من مصادر تشريعاتها، وهذا تأكيد أن البلدان العربية والاسلامية حتى اليوم لم تطبق الديمقراطية بحذافيرها، وحتى البرلمانات لم تصوت على كل شيء موافقة للغرب، وإنما تجري الأمور بين المد والجزر حسب الضغوطات الدولية الغربية ، وكلما جاء زمان جاء الشر فيه أكثر، وعظم الفساد، ونفذ الأعداء في بلداننا العربية بعض مخططاتهم من خلال شماعة ” الديمقراطية” والغوغائية التي تصفق أو تبرر للشعب، ثم الشعب والوطن هما الضحية، ناهيك عن محاربتهم للدين ودعاته وتجهيل المجتمعات وتغريبها.
ثانياً : أحدهم قال ما هو النظام الإسلامي إذا كنا نرفض الديمقراطية؟ وأيضاً لو رفضنا نظام الجمهوريات؟ وأيضا لماذا لا تنقد الملكية في مقالاتك؟، وهل في الإسلام نظام اقتصادي؟، وإذا كانت الديمقراطية كفر كما هو الواقع، فهل من يحكم بها أو يدعو إليها كافر؟

والجواب :
نظام الحكم في الإسلام هو الذي فرضه الله رب العالمين وهو نظام الخلافة التي يختار فيها مجلس الشورى ” أهل الحل والعقد ” من المسلمين حاكماً لبلدتهم بالبيعة على كتاب الله وسنَّة رسوله للحكم بما أنزل الله.
قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾.
ومثال هذا الحاكم: الخليفة أبوبكر وأمير المؤمنين عمر وعثمان وعلي ونحوهم ممن يتم اختيارهم وفقاً لمجلس الشورى في النظام الإسلامي.
وأما نظام الحكم الجمهوريّ فهو النظام القائم على أسس ديمقراطية، والذي يقوم بانتخاب الشعب رئيساً له ولا يحق للعلماء أن يلزموا الدولة بحاكم صالح، بل الشعب يختار من شاء ولو شخصاً لا يصلي ولو شخصاً عدواً للدين.
وأما النظام الملكي ويسمى السلطاني : فهو عبارة عن اختيار ملك من أسرة حاكمة واحدة لدولة ما، فلا تلتفت الأسرة المالكة لاختيار الشعب ولا لاختيار العلماء، بل الأسرة المالكة هي التي تختار الملك أو الخليفة ، فهو وراثي ومثاله الدولة الأموية والعباسية وهكذا الدول السلطانية والملكية التي أرست نظام البيعة وفقاً للوراثة.
ولا شك أن النظام الجمهوري الديمقراطي والملكي نظامان مختلفان تماماً حسب تعريفهما الذي سبق ذكره.
ويختلف الحال من عصر إلى آخر، فإذا كنا في عصر من العصور وعندنا حاكم في ظل الحكم الجمهوري يحكم بالنظام الإسلامي ويخلط فيه شئ من النظام الديمقراطي لكن يقبل النصح من العلماء في مواضع عديدة مع ضعف في جوانب أخرى، ثم جاء شخص يدعو إلى نظام ديمقراطي لبرالي أو علماني بحت ، فإننا نقول جاء لنا بشئ يفرق جمعنا ويكسر شوكتنا ولا بد من تحذير الناس من دعوة هذا اللبرالي أو العلماني لأن دعوته هذه ستؤدي إلى تفرقة بين الأمة وإلى تحزب وسفك دماء والله تعالى يقول: ” ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات”.
أيضا لو هناك ملك يقيم العدل بين الناس في ظل الحكومة الملكية، وجاء شخص وأراد أن يدعو إلى النظام الجمهوري الديمقراطي وإلى تفريق الناس بعمل الأحزاب السياسية، فهذا لا شك أنه سيفسد النظام الملكي العادل – وإن لم يكن شوروياً جملة وتفصيلاً – فلزم الأمة القيام بالتحذير من بدعته حتى لا تتفرق الأمة وتضعف ويضيع العدل والأمن والاستقرار، وهكذا قام الإسلام على درء المفاسد وجلب المصالح.
لذا أكرر وأقول : الإسلام قائم على المصالح العامة للمسلمين وصالح لكل زمان ومكان، ويمكن للمسلمين أن يتعاملوا به مع الولاة كلهم سواء في النظام الجمهوري أو الملكي بطرق صحيحة رشيدة بعيداً عن سفك الدماء متى عقل الناس أدلة الكتاب والسنة وفهموها الفهم الصحيح الذي فهمها الرعيل الأول رضوان الله عليهم، بعيداً عن التحزبات والثورات والانقلابات التي سفكت دماء الأمة ومزقتها شذر مذر.
وأما هل الإسلام دين يشتمل على نظام اقتصادي صالح لكل زمان ومكان؟
فالجواب:
نعم فأحكام البيع والشراء والصرافة والوكالات ونحوها كلها اقتصاد ولم ينكر أحد النظام الاقتصادي الإسلامي، بل معترف به دولياً، وتطبق معاملاته الاقتصادية في البلاد العربية والإسلامية مع ضعف حسب قوانين الدول وأنظمتها، ومن ذلك بعض البنوك الإسلامية ومحلات الصرافة وغيرها، وقد بدأت فرنسا في تطبيقه في بعض بنوكها، ومثلها أمريكا وبعض الدول الأجنبية، لكن للأسف بعض المسلمين النشئ ما عندهم اطلاع، ولقلة علمهم ظلموا الإسلام ببعض الكلمات التي يقولونها قبل أن يفكروا فيها.
نعم هناك أخطاء كثيرة في كثير من البنوك الإسلامية تتصادم مع أدلة الشرع في بعض معاملاتها، وسبب هذه الأخطاء طمع الدنيا الذي عشعش في قلوب أعضاء مجلس الإدارة وبُعْدهم عن التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية مكتفيين بمراقبة بنكية داخلية تسمى بالرقابة الشرعية وهي أبعد ما تكون عن الشريعة في أغلب البنوك الإسلامية حتى شوهوا سمعة البنوك المحافظة بإدخال بعض المعاملات الربوية واستغلال مسمى ” بنك إسلامي ” لرفع أجور الخدمات على المواطنين، بينما أجور الخدمات في عامة البنوك الربوية أخف وأقل، وإلى الله المشتكى.
وأما هل نحكم على من دعا إلى العمل بالديمقراطية أو التحاكم إليها في الدولة العربية بأنه كافر؟
فالجواب: لا بد من تفصيل:
الأول: إذا دعا حاكم إلى العمل بالنظام الديمقراطي أو إلى الحكم ببعضه خوفاً من بطش الغرب وضغوطهم التي يتعذر دفعها، وهو يكفر بمبادئ الديمقراطية في قلبه ويقيم الصلاة، فهذا مسلم ظالم لنفسه، وواقع في فسق.
ويتنزل على مثله قول الله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”.
وقوله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون”.
وفي هذه الحالة لزم العلماء والدعاة والعقلاء نصحه بالحكمة واللين بعيداً عن إحداث الفتن وبعيداً عن كشف عواره ومثالبه من على المنابر وفي المحاضرات والندوات وفي المجالس وأمام العوام.
فالحرص على جمع الكلمة خير من تفريق الصف بسبب خطأ أو منكر صدر من الوالي ؛ فإن نصيحة الجهر أمام العامة علناً يفضي إلى الخروج على الحاكم؛ وعامة الناس يجهل حقوق الولاة على ضوء الشرع المطهر كما يجهل قواعد المصالح والمفاسد، فيثق هؤلاء العامة بديانة الخطيب أو الواعظ فيخرجون على ولي الأمر بالمظاهرات أو الانقلابات أو ما يسمى بالعصيان المدني أو الاعتصامات ونحو ذلك مما جلبه الكفار إلى بلاد المسلمين، وقد تقدم معنا أن “القاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين”.
الثاني: إذا حَكَمَ به أو ببعضه وهو يرى أن الإسلام هو الحق ويقيم الصلاة ، فحكمه حكم السابق ولا يكفر.
الثالث: إذا حكم بالنظام الديمقراطي وهو يعتقد أنه أفضل من الإسلام أو مساو لحكم الإسلام فهو كافر بإجماع العلماء.
قال الله تعالى : “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”.
وفي هذه الحالة يكون قد ظهر منه الكفر البواح لكن لا يحل الخروج عليه إلا بشروط وقد ذكرتها في كتابي ” حكم الخروج على الحكام” وقد طبعت الطبعة الثانية منه ببيروت ونقلت فيه الشروط وجملةً من أقوال العلماء وشروطهم، وإليكم بعض تلكم الكلمات المشفقة الرحيمة بالأمة متضمنة الشروط المشار إليها :
قال ابن عثيمين: والأئمة لا يجوز الخروج عليهم إلا بشروط مغلظة؛ لأن أضرار الخروج عليهم أضعافُ أضعافُ ما يريد هؤلاء من الإصلاح وهذه الشروط هي:
الأول: أن نعلم علم اليقين أنهم أتوا كفراً.
الثاني: أن نعلم أن هذا الكفر صريح ليس فيه تأويل، ولا يحتمل التأويل، صريح ظاهر واضح؛ لأن الصريح كما جاء في الحديث هو الشيء الظاهر البين العالي، كما قال الله تعالى عن فرعون أنه قال لهامان: {ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ}، فلا بد أن يكون صريحاً، أما ما يحتمل التأويل، فإنه لا يسوِّغ الخروج عن الإمام.
الثالث: أن يكون عندنا فيه من الله برهان ودليل قاطع مثل الشمس أن هذا كفر، فلا بد إذن : أن نعلم أنه كفر، وأن نعلم أن مرتكبه كافر لعدم التأويل، كما قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان» وقالوا: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، أي: ما داموا يصلون.
الرابع: القدرة على إزالته، أما إذا علمنا أننا لا نزيله إلا بقتال، تُراقُ فيه الدماء وتستباح فيه الحرمات، فلا يجوز أن نتكلم أبداً، ولكن نسأل الله أن يهديه أو يزيله؛ لأننا لو فعلنا وليس عندنا قدرة، فهل يمكن أن يتزحزح هذا الوالي الكافر عما هو عليه؟ لا، بل لا يزداد إلا تمسكاً بما هو عليه، وما أكثر الذين يناصرونه، إذاً يكون سعينا بالخروج عليه مفسدة عظيمة، لا يزول بها الباطل بل يقوى بها الباطل، ويكون الإثم علينا، فنحن الذين وضعنا رقابنا تحت سيوفه، ولا أحد أحكم من الله، ولم يفرض القتال على النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ إلا حين كان لهم دولة مستقلة، وإلا فإنهم كانوا يهانون في مكة، الذي يُحبس، والذي يُقتل، والذي توضع عليه الحجارة المحماة على بطنه، ومحمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرجع من الطائف، يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه ولم يُؤمر بالقتال؛ لأن الله حكيم؛ ولذلك مع الأسف الشديد لا تجد أحداً عصى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وخرج على الإمام بما للإمام فيه شبهة، إلا ندم وكان ضرراً على شعبه، ولم يزل الإمام، ولا أريد بالإمام الإمام الأعظم؛ لأن الإمام الأعظم ذهب من زمان، لكن إمام كل قوم من له سلطة عليهم ” انتهى نقلاً من كتابه ” الشرح الممتع (11\323)”.
وقال العلامة ابن باز رحمه الله في الفتاوى (9/203) : لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور, ولا الخروج عليهم ، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان; وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً , فيختل به الأمن , وتضيع الحقوق , ولا يتيسر ردع الظالم , ولا نصر المظلوم , وتختل السبل ولا تأمن , فيترتب على الخروج على ولاة الأمور: فساد عظيم وشر كثير ,إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان , فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة،
1- أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا ,
2- أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج; رعايةً للمصالح العامة.
والقاعدة الشرعية المجمع عليها: (أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه , بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه )، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين,
فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً :
عندها قدرة تزيله بها, وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين, وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس
أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير, واختلال الأمن, وظلم الناس, واغتيال من لا يستحق الاغتيال… إلى غير هذا من الفساد العظيم, فهذا لا يجوز, بل يجب الصبر , والسمع والطاعة في المعروف, ومناصحة ولاة الأمور, والدعوة لهم بالخير, والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير.

هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يُسلك; لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة , ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير , ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر” انتهى كلامه رحمه الله.
ثالثا: بعث لي أحدهم رسالة يقول في خلاصتها: بشار الأسد نصيري وهو كافر، فهل يعني ذلك أن الخروج عليه بالثورة خطأ من الثوار؟ وأيضاً قال: هل أهل فلسطين لا يحق لهم الخروج على اليهود وعليهم أن يخضعوا لليهود؟
فالجواب: أن عامة من خرج على بشار من أهل سوريا فإنما أراد تغييراً إلى الأفضل، فهل تحقق للثوار مرادهم، أم أن الشر والضرر كان أعظم؟ ولماذا؟
فالجواب: كان الشر أعظم من المصلحة التي أرادوها، والسبب أنهم تسرعوا ولم ينقادوا لنصائح وتوجيهات كبار العلماء، متأثرين بمشايخ وقادة الأحزاب، ولو صبروا على بشار لكانت المفسدة أخف، فإنها لما بدأت فتنة الخروج على بشار تكلم كبار العلماء عن خطر ذلك، بل تكلموا عن أحكام الخروج على الحكام وذكروا ضوابطه لكن لم يلتفت لهم أحد، وفي الأصل أنها ضوابط مدونة من عشرات السنين وبعضها من مئات السنين لكن للأسف صار كبار العلماء في نظر قادة ودعاة الأحزاب أنهم علماء لا يفقهون الواقع أو أنهم علماء سلطة وهكذا زرعوا في أذهان أتباعهم.
أعود بكم إلى الثمانينات الميلادية إلى عهد الطاغية ” حافظ أسد ” وأحداث مدينة حماة، ولن أتكلم بشئ، بل سأترك أحد قادة الإخوان المسلمين يتكلم بالنيابة عني.
يقول القيادي محمد قطب أخو سيد قطب – رحمهما الله – في كتابه واقعنا المعاصر(صفحة 438 طبعة :1997م، طبعه الشروق ) : “تسبب الإخوان في سوريا في مقتل ما يقارب من ثمانين إلى مائة وعشرين الف مسلم في حماه، وسيحاسبهم الله تعالى على هذا العبث “.
الآن أتوجه بسؤالين :
السؤال الأول: ماذا يقصد محمد قطب؟ الجواب يقصد أن الإخوان المسلمين بحماة خرجوا على حافظ أسد، فسبب هذا الخروج أن الطاغية حافظ أسد قتل من أهل سوريا بحماة بالطيران ما يعادل مائة ألف.
السؤال الثاني: لماذا الإخوان المسلمون في سوريا لم يستفيدوا من تجربتهم وخطئهم الذي كان في الثمانينات بحماة؟ لو كانوا عقلاء ومعهم علماء عندهم شفقة على الأمة وعندهم علم بضوابط الشريعة ما كرروا الخروج وأعادوه مع بعض الأحزاب السياسية عام 2011م.
نعم خرجوا ضد الظلم والاستبداد لكن أخطأوا في الوسيلة فزاد الظلم والاستبداد رغم علمهم بخطر الخروج وأن الدماء ستسفك والديار ستخرب، وتتعطل الحياة، وقد كررنا مراراً، وقلنا ” القاعدة الشرعية المجمع عليها : ( أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه , بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه )، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين” لكن من يسمع لك؟
أكرر وأقول: أرجو ألا يغضب علي قادة الإخوان المسلمين بسبب قوة صراحتي ومصداقيتي لأني والله حريص على هدايتهم، وهذا الذي يعملونه ويضرون به الشعوب المسلمة ويشوهون به الدين لا يحل لهم فعله ، وإن الله سائلهم يوم القيامة عن مثل هذه الثورات التي ربوا عليها أتباعهم وهي لا تشرفهم ولا تشرف المسلمين، وهم أقرب لي والله من قادة الأحزاب العلمانية، ولكن الحق لا بد أن يقال، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
فالآن قولوا لي ما هي المنفعة التي أحصاها من خرج على بشار النصيري؟!!!
الجواب باختصار: تسبب الخروج بالثورة على بشار في قتل مئات الألوف من السوريين، وجرح مئات الألوف، وتشريد أكثر من عشرة مليون سوري، وتحطيم المساكن بمن فيها بكافة الأسلحة حتى الممنوعة منها دولياً، وتعطيل الحياة بكل مرافقها، وقتل العلماء وتشريدهم والتضييق على المتدينين فيها، هذي نتائج ثورة الربيع العربي في سوريا ولا زالت النتائج مستمرة، ناهيك عن نتائج الثورات العربية التي باليمن ومصر وليبيا وسوريا وغيرها من البلدان.
وأنا أعلم أن الجهلة غير المنصفين سيقولون لي ” أنت ومن معك ممن يفتي بضوابط الكتاب والسنة وتحرير المسائل وفقاً للقواعد الفقهية والأصولية المنضبطة” مجرد محاميين وعملاء لولاة الظلم والاستبداد.
وطبعاً هذه لغة سمعناها من ربع قرن وما زالت تتكرر ولا يهم من يبلغ دين الله ما يحوم على رأسه من سفاسف الألفاظ، فقد قال الله عز وجل: ” الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا”.
الصدق مع الله ثم مع النفس والناس يُعَدُّ من أوثق عرى الإسلام المطهر، فما أحوجنا لذلك.

أما الشق الثاني من سؤال الأخ: هل أهل فلسطين لا يحق لهم الخروج على اليهود وعليهم أن يخضعوا لليهود؟
فالجواب: الخروج على الوالي غير الشخص الذي يدافع عن نفسه وأرضه وعرضه في أرض محتلة وغير محتلة، وفي الحديث الصحيح يقول النبي عليه الصلاة والسلام: “من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد” أخرجه أحمد والأربعة إلا ابن ماجة.
بهذا أكتفي، وبقيت مسائل وشبه أخرى طرحها بعض القراء وسأرد عليها أو على أكثرها في الحلقة القادمة بإذن الله.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد

‫wpDiscuz