فضلاء العصر وفتنة الإرجاء

أضيف بتاريخ: 27 - 07 - 2017 | أضيف في: الفتاوى الشرعية| عدد المشاهدات : 170

فضلاء العصر وفتنة الإرجاء

(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (22)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

 

من الفتن التي جرت بين الدعاة في التسعينيات الميلادية وما بعدها، ولا زال أثر هذه الفتنة حتى الآن، ” تهمة بعض فضلاء العصر بالإرجاء”.
والإرجاء لغة: التأخير.
واصطلاحا: تأخير العمل عن الإيمان، فكل من لم يُدخل العمل في مسمى الإيمان فيه فهو مرجئ.
فالمرجئة: يرون أن من نطق الشهادتين أو أقرَّ وصدَّق بهما فهو كامل الإيمان، وإن زنى وارتكب كل الفواحش العملية، وترك الصلاة والصيام والزكاة والحج ونحوها من العبادات؛ بل يستوي عندهم إيمان أبي بكر وبقية الصحابة مع إيمان الناطق بالشهادتين وإن كان فاسقاً لا يصلي.
والعجب العجاب: أن بعضهم اتهم بعض كبار العلماء والدعاة في العصر الحديث بتهمة الإرجاء، وعلى رأس المتهمين شيخ المحدثين ومجدد عصره الإمام محمد بن ناصر الدين الألباني، ومع مرور الزمن انتقلت هذه التهمة حتى عمت بعض فضلاء أهل الحديث، ولا شك أن هذا من الخطأ والتعجل قبل تحرير النزاع في المسألة.
ولو سلمنا جدلاً أن عالماً وافق المرجئة في مسألة من المسائل، فهل من الإنصاف إلحاقه بالمرجئة ووصفه بأنه ” مرجئ”، أو نقول: هذا قول وافق فيه مذهب المرجئة، ثم نناصح القائل به إذا ثبت أنه أخطأ وقال ذلكم القول.
ومما يؤسف له أن بعض الدعاة كان صمام أمام ضد هذه التهمة التي وجهها بعضهم لبعض، واليوم صار بعض أولئك المدافعين قديما يوجهونها اليوم لبعض إخوانهم دون هوادة.
فالحذر من الوقوع في الفخ، فإن أهل المنهج الحق يَبْرأون إلى الله من هذه التهمة التي أدخلها عليهم في العصر الحديث بعض أصحاب المناهج العصرية المنحرفة، وقد أخذوا هذه التهمة من المبتدعة، لا من أهل السنة، ومما يؤكد ذلك: ما ذكره القاضي أبو الفضل السكسكي ـ المتوفى سنة ٦٨٣ هــ: «أن طائفة من أهل البدع تسمى بالمنصورية، وهم أصحاب عبد الله بن زيد، يتهمون أهل السنة بأنَّهم مرجئة لقولهم: إن تارك الصلاة إذا لم يكن جاحداً لوجوبها مسلم على الصحيح من المذهب ـ مذهب أحمد ـ ويقولون: هذا يؤدي إلى أن الإيمان عندهم قول بلا عمل»([1])اهـ
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: « لو فرضنا قال قائل بمسألة واحدة من مذهب الإرجاء، هل يصح أن نسميه مرجئا؟
الجواب: لا، كما أنه لو أنَّ أحداً من فقهاء الحنابلة أخذ بقول الشافعية بمسألة من المسائل لا نقول: إنه شافعي، كذلك لو أن أحداً أخذ بمسألة واحدة من مسائل الأشاعرة لا تقل : إنه أشعري، إذا أردنا أن نقول، نقول هو قال بهذا القول وهو قول الأشاعرة، فلا نلحقه هو بالأشاعرة، وهذه مسألة ينبغي التفطن لها، لأن بعض الناس أيضا أخطأ في ابن حجر والنووي وأشباههما حين تأوَّلوا في الصفات، فقالوا: هؤلاء أشاعرة وأطلقوا، لم يقولوا: قالوا بقول الأشاعرة في هذا الباب، الأشاعرة لهم مذهب مستقل في باب الصفات، وفي باب الإيمان، وفي باب الأفعال أفعال العباد، وفي القضاء والقدر، فلينتبه الشاب لهذه المسألة»([2])اهـ.
والحاصل: أن تهمة الفضلاء من أهل المنهج السوي بالإرجاء بمجرد خطأ غير مقصود أو نحوه ـ وهم ممن يحذر من عقيدة المرجئة ويتبرأ منها ويتعزى بمنهج السلف قولاً واعتقاداً ومنهجاً ـ جريمة وظلم، فإن المرجئة المبتدعة على المشهور أربع طبقات كما ذكرته في أحد أجوبتي ([3])، وليس في واحدة منها ما يمكن تطبيقه على هؤلاء الفضلاء المتهمين ممن جالسناهم وخبرناهم عن قرب، أو ممن قرأنا لهم وعرفنا عقيدتهم ومنهجهم الصافي ممن هم لازالوا على ذلك، وإليكم طبقات المرجئة:
الطبقة الأولى: مرجئة الفقهاء وهؤلاء أخفُّهم، ولذا اختلف العلماء في تبديعهم : وهم جماعة من الفضلاء اشتهروا في زمن السلف الصالح، منهم: ذر بن عبد الله الهمداني رأس مرجئة الفقهاء وهو من كبار أتباع التابعين، وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وغيرهما، وقد وقع أصحاب هذه الطبقة في بدعة الإرجاء زمن التابعين، وكانوا يرون أن الإيمان هو التصديق فقط، وقد كان الخلاف في بداية أمره خلافاً لفظياً كما أشار إلى ذلك ابن أبي العز شارح »الطحاوية« لكنه تعدى بعد ذلك إلى إنكار العمل ـ والعياذ بالله ـ ، ولا شك أنهم مبتدعة على الصحيح، ولا يدافع عنهم إلا من لم يسبر حالهم، فإن ابن تيمية ذكر أصحاب هذه الطبقة بالصلاح وأثنى على بعضهم، وذكر أن السلف لم يكفروهم، – وهو كما قال – لم يكفروهم، وإنما بدَّعوهم، فقد بدعهم إبراهيم بن يزيد النخعي وسليمان بن المعتمر وأحمد بن حنبل وجماعة ([4]).
وليس من هذه الطبقة أبو حنيفة فإنه قال في الفقه الأكبر (85): ” والإيمان هو التصديق والإقرار “اهـ، وقد نقل قاسم بن قطلوبغا الحنفي في حاشيته على المسامرة شرح المسايرة (ص178 وما بعدها : قال في المسايرة ” قول صاحب العمدة منهم: الإيمان هو التصديق؛ فمن صدق الرسول فيما جاء به، فهو مؤمن، فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء الأحكام”، ثم قال ابن قطلوبغا: ” هذا القول مروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، نص عليه في كتاب العالم والمتعلم”اهـ، وبنحوه ذكره ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر، ونسبه إلى جمهور المحققين، وقال : وهو المروي عن الإمام يعني أبا حنيفة.
الطبقة الثانية: طبقة المرجئة ممن أصولهم جهمية، والإيمان عندهم هو التصديق ليس غير، وهؤلاء مبتدعة قطعاً وبلا خلاف، وهم شر طوائف المرجئة.
الطبقة الثالثة: طبقة المرجئة ممن أصولهم كرامية، والإيمان عندهم هو قول اللسان، إلا أنهم يوافقون أهل السنة بأنه غير ناج في الآخرة، رغم قولهم عنه إنه: مؤمن في الدنيا، وهم فرقة مبتدعة.
الطبقة الرابعة: طبقة مرجئة الأشاعرة، والإيمان عندهم هو التصديق، وهم مبتدعة باتفاق أهل السنة إلا أنهم في معتقداتهم أخف من مرجئة الجهمية([5]).
وللكلام بقية، استأنفه بمشيئة الله في حلقة الغد.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

 

——- الحواشي ———

([1]) السكسكي، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص٩٦).
([2]) ابن عثيمين، شريط محاورة هاتفية مع أهل الجزائر.
([3]) صادق بن محمد البيضاني، الأجوبة على أسئلة البحرين، شريط رقم (٢)، جواب السؤال رقم٧ (١) بتاريخ ٤/٦/١٤٣٥هـ، الموافق لتاريخ ٥/٤/٢٠١٤م.
([4]) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٧/٥٠٧).
([5]) صادق بن محمد البيضاني، الأجوبة على أسئلة البحرين، شريط رقم (٢).

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد