ما يجب عند النقد والنصيحة

أضيف بتاريخ: 01 - 08 - 2017 | أضيف في: مقالات| عدد المشاهدات : 90

ما يجب عند النقد والنصيحة
(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (29)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

تكلمت في اللقاء السابق من هذه الدراسة عن التوجيه الأول، وهو “ما يجب على الناقد قبل النقد”، وفي هذا القاء سنتكلم عن التوجيه الثاني، وهو: ” ما يجب عند النقد والنصيحة” فأقول، وبالله التوفيق :
إذا عرف الناصح الداء المراد إزالته من المتشبث به وقامت الحجة العلمية الشرعية في كونه داءً يخالف الشريعة، لزم البدء بالنصيحة، لكن يجب «على الداعية عند النصح أن يحسن إلى المنصوح، فيتلطف في بذلها غاية التلطف، ويحتمل أذى المنصوح ولئامته، ويعامله معاملة الطبيب المشفق على المريض المشبع مرضاً، وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته، ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن، فذا شأن الناصح»([1]).
وهذا يعني أن الناصح حال نصحه يحتاج إلى أمور :
الأول: حسن الطرح مع حسن الظن.
بحيث يختلي المسلم بأخيه ويحسن أسلوب الطرح وينبهه على العيب أو يرشده بما هو أولى وأجدر به شرعاً، بأسلوب مقبول سائغ التداول، حتى يتم المقصود الذي لأجله قام دافع النصح، فيحتال «على صرفه عما يهواه من القبيح بألطف حيلة وأجمل وسيلة”([2]) بالحجة والبرهان، ولا يباشره بخطئه بقوله: لقد أخطأت أو زلَّت قدمك في كذا وكذا، أو وقعت في باطل أو معصية أو يا عاصي، أو يا فاسق، أ, يا ضال ونحوها من الألفاظ الخشنة، ولكن يطرح ذلك ولو بذكر ما في المنصوح من وجوه الخير إذا رجحت له المصلحة، بحيث يجعل مقدمة للنصح حتى لا يفاجئ المنصوح بعيبه وزلته، فيقع فيما لا يحمد عقباه من ردة الفعل، فإن كان خطيباً أو واعظاً فله أن ينصح دون أن يعين فيقول مثلا: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، أو يقولون كذا وكذا »كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ([3])، ويطرح المسألة طرحاً علمياً على ضوء أدلة الكتاب والسنة، فإذا كان الناصح من أصحاب الولاية أو القدْر العلي، فله أن يُعيِّن الشخص بعينه في المواضع التي يغلب فيها الظن المصلحة الراجحة فيذكر الأسماء بجرح مباشر ليردع المخطئ ويعيده إلى صوابه، بحسب معرفته بحال المنصوح ونفسيته ومشاعره وأحاسيسه ممن هم تحت يده كالأبناء والرعية، وكذا ممن يغلب عليه تقبل النصح القاسي كالأتباع..
ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «يا معاذ، أفتان أنت»([4]).
وقوله لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»([5]).
لذا ينبغي للناصح أن ينوع في الطرح العلمي مع النقد حسب المصلحة والمفسدة بحيث لا يُغلِّبُ جانباً على جانب، فإذا أظهر المنصوح التجاوب فاحمد الله واحمله على الظاهر وأحسن الظن به، ولا تقل: لعله خجل مني أو استحى، أو تظاهر لي بخلاف باطنه، فهذه ظنون لا يجوز للناصح أن يُغلِّبها؛ فقد تكون وساوس شيطانية، وعليه أن يحمل المنصوح على الظاهر وعلى أحسن المحامل.
وأخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب أنه قال: «فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ ، وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ».
الثاني: التلطف في النصح.
وهو المقصود من قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل:125].
وفي الحديث: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه»([6])، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله»([7])، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه»([8])، وقد قيل: «العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيّمه، والرفق والده، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده»([9]).
فعلى الناصح أن يتفطن لمثل هذا المقام، ففي مثل هذا المقام أدَّبَ الله نبيه موسى وهارون عليهما السالم لما أرسلهما إلى فرعون، فقال لهما: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) [طه:44]، رغم علم الله الأزلي أن فرعون لن يفيده نصح الناصحين ولا وعظ الواعظين، ولكن لمَّا كان المقام تربوياً أوجب الله على نفسه إرشاد عباده إلى مقوِّمات النصح، ومن ذلك التلطف حال النصيحة.
قال معلى بن أيوب: «بينما الرشيد هارون يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي، فقال: لا ولا كرامة؛ قد بعث الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول قوْلاً لَيِّنا»([10]).
قال ابن القيم رحمه الله: «فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف، فإن معاملة الناس بذلك: إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته، وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو ومبغض فتطفئ بلطفك جمرته وتستكفي شره»([11]).
ولنا في رسول الله عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة؛ فقد دخل أعرابي المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه ([12])، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزرموه ([13])، دعوه»، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه، فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن»، ثم أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه ([14]) ([15]).
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أهريقوا عليه سجلا من ماء أو دلوا من ماء»، ثم قال: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين»([16]).
وهذا الصنيع من رسول الله عليه الصلاة والسلام يرشدنا إلى أنه يجب علينا أن نتعامل مع الآخرين كل حسب طينته وبيئته وطبعه ومشاعره وميوله ورغباته في حدود الشرع، وهذا ما يؤكده بقوله: «الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تنكر منها اختلف»([17]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب»([18]).
وقد روى البخاري تعليقاً عن علي بن أبي طالب أنه قال: «حَدِّثُوا النَّاسَ بما يَعْرفونَ؛ أتُحِبُّونَ أنْ يُكذَّب الله ورَسولَه»([19]).
وتأملوا معي قول رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم الفتح وهو يقول: «من دخل دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ، ومن ألقى السلاح فهو آمِن، من أغلق بابه فهو آمن»([20]).
والسؤال: ما هي الميزة التي تميز بها أبو سفيان على غيره من الصحابة حتى يخصصه رسول الله عليه الصلاة والسلام بهذا التخصيص وهو من مسلمة الفتح رضي الله عنه، وهناك من هو أولى بهذا الفضل والميزة؟
فالجواب: أن العباس قال: «يا رسول الله؛ إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فجعل له شيئا»([21]) فقال مقالته السابقة.
فأنزلوا الناس منازلهم، ونوِّعوا في أسلوب النصح والنقد حسب طبائع وميول وبيئات المجتمع.
ومن كان ذا مال ليبذل منه ما استطاع لتأليف الناس؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يتألف الناس من مال الغنائم والفيء، ويعطي أناسا دون ناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين ومن في قلبه مرض ويقول: «يسروا ولا تعسِّروا وبشروا ولا تنفروا»([22])، ويقول: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»([23])، يعني الصحبة الظاهرة بين المؤمن والمنافق بسبب الجوار ونحوه.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «إن علينا أن نستعمل في دعوتنا إلى الله عزو جل الرفق واللين ما أمكن ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه»[أخرجه مسلم]([24])، وقد امتن الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم حيث جعله لينا لعباد الله، فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159].
وقس أنت الناس بنفسك، لو أن رجلاً خاطبك في أمر من الأمور بعنف، لرأيت من نفسك ما يدعوك إلى أن تعامله بمثل ما تصرف به معك، ولألقى الشيطان في قلبك أن هذا الرجل لا يريد النصح وإنما يريد الانتقاد، والإنسان إذا شعر بأن من خاطبه يريد الانتقاد فإنه لن ينصاع إلى توجيهه، ولا دعوته، لكن إذا جاء وتكلم مع الشخص بالرفق واللين وقال له: إن هذا أمر لا يصلح، ثم إذا سدَّ عليه الباب الحرام، فتح بابا آخر حلالاً، حتى ييسر عليه، لحصل بذلك على خير كثير»([25]).
الثالث: الصبر على الأذى.
وهو أرفع المقامات التي يجيب على الدعاة فعله، وبه يتبين قوة إيمان الداعية من ضعفه؛ لأنه صبر على أذى غيره، وعفا عن لئامته وأذاه وظلمه بقصد هدايته، إذ هو مقام الأنبياء والمرسلين الذين ظُلِموا و «ابتلوا به من دعوة الناس ومعالجتهم وتغيير ما كانوا عليه من العادات»([26])، ولا شك أن «العفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام، قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران:134].
وقال تعال: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[الشورى:40].
وقال تعالى: (إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)[النساء:149].
وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) [النحل126]»([27]).
قال الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد: «الصبر من معالم العظمة المحمودة، وشارات الكمال العالي، ودلائل التحكم في النفس وهواها، وهو عنصر من عناصر الرجولة الناضجة.
فأثقال الحياة وأعباؤها لا يطيقها الضعاف المهازيل، والحياة لا ينهض بأعبائها ورسالتها إلا الأكفاء الصبَّارون، وقد استحقت فئة من بني إسرائيل الإمامة والريادة بصبرهم وحسن بلائهم: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[السجدة24]»([28]).
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الصبر على الأذى، ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من أحد؟، قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد علي ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ([29]) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن طبق عليهم الأخشبين ([30])؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»([31]).
الرابع: أن نصيحة السر أزين وأوقع، ونصيحة الجهر أهتك وأعير.
وقد «كان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه ويحبون أن يكون سراً فيما بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النصح، فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها»([32]).
قال الشافعي رحمه الله: «من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظ أخاه علانية فقد فضحه وشانه»([33]).
تَعَمَّدني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي      وجنِّبني النصيحة َ في الجماعهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ      من التوبيخِ لا أرضى استماعه
فإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي ([34]) فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَه
قال بعضهم: «من وعظا أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبَّخه»([35]).
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: «المؤمن يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعيِّر ويفشي»([36]).
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: «إن كنت فاعلاً ولا بد ففيما بينك وبينه»([37]).
لماذا؟
الجواب: لأن النفوس مجبولة على حب الصفاء، ولا ترغب في العيب والنقائص، وخصوصاً أن يُشْهرها الناس على الملأ بقصد النصيحة؛ لأنها صارت في حق المنصوح حينئذ فضيحة مشهورة يتناقلها القاصي والداني، وقد «قيل لمسعر: أتحب من يخبرك بعيوبك؟ فقال: «إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم، وإن قَرَعني بين الملأ فلا»([38])، «وقد صدق؛ فإن النصح على الملأ فضيحة، والله تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة تحت كنفه في ظل ستره، فيوقفه على ذنوبه سراً، وقد يدفع كتاب عمله مختوماً إلى الملائكة الذين يحفون به إلى الجنة، فإذا قاربوا باب الجنة أعطوه الكتاب مختوما ليقرأه، وأما أهل المقت فينادون على رؤوس الأشهاد، وتستنطق جوارحهم بفضائحهم، فيزدادون بذلك خزياً وافتضاحاً ([39])، وقد أحسن من قال:
لَا تَلْتَمِسْ مِنْ مَسَاوِي النَّاسِ مَا سَتَرُوا    فَيَكْشِفَ اللَّهُ سِتْرًا مِنْ مَسَاوِيكَا
وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إذَا ذُكِرُوا   وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَا
أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن أبي بكر الصديق أنه قال: «لو أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه»([40]).
الخامس: أن يحذر الناقد عالماً كان أو طالب علم من تشجيع الناشئة على التشهير بمثالب وزلات العلماء والدعاة.
وذلك أن هؤلاء الناشئة يغلب عليهم الجهل أو التكثر أو حب الظهور، أو أنهم أداة مسيَّرة بأياد خفية، أو أنهم لم يرتضوا طريقة علماء أهل السنة والأثر – لضعف إيمانهم، وقلة بصائرهم، أو لكونهم ارتضوا فكرة استأنست بها نفوسهم، وشغفت بها قلوبهم، فاعتقدوا صحتها؛ لكونها صادفت ذهنا خاليا، وقلبا صافيا فعَلِقَتْ به حتى حملهم واقعهم على رد ما خالف هواهم كما قال القديم:
عرفتُ هواها قبلَ أن أعرفَ الهوى    فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا
قال الشيخ صالح بن محمد السحيمي: « وأحب من طلاب العلم أن ينتبهوا إلى من قد يندس بينهم من أدعياء العلم، وأدعياء الحق، وهم مندسون في صفوف طلاب العلم، ولا أدل على ذلك من نقلهم الأخبار على عواهنها، دون تمييز، ودون تحقيق، ودون رجوع إلى طلاب العلم أو إلى العلماء في فهم النصوص الشرعية؛ بل هو نفسه يبني ويحكم ما يريد؛ لأنه يزعم أنه وصل إلى ما لم يصل إليه غيره، وأنه هو عالم دهره، ووحيد عصره»([41]).
ومتى استحكم صغار القوم بألفاظهم القبيحة على كبارهم من أهل العلم والفضل وسعوا في تضليلهم وتحذير الناس منهم ونقل الأخبار الكاذبة، وجعلوا أنفسهم في مراتب العلماء في فهم النصوص وقضايا الأمة، ظهرت المفاسد وعمَّت البلوى التي يجمهر شررها في أوساط أبناء الأمة الإسلامية، وحينها يُطعن في الشهود أئمة الدين، ليكون سُبْلَة للطعن في الدين، وهذه طريقة المبتدعة وأهل الأهواء؛ لتتأخر الأمة الإسلامية ردحاً من الزمن عن تحقيق وحدة صفها، ونصرة دينها الإسلامي الحنيف، ولإبعاد المسلمين عن علمائهم حفظة الشريعة.

والأصل: متى تبين للأمة الإسلامية الرجل العالم العامل الذي ينصر مذهب السلف ويَذُبُّ عنه ويحارب أهل البدع والأهواء لزم عامة الناس ألا ينتقصوه لزلةٍ زلها أو غلط وقع فيه أو قوله تأوَّله، طالما ظاهره الحق والمدافعة عنه.
قال ابن القيم رحمه الله : «من قواعد الشرع والحكمة أيضا أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيرها؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل أدنى خبث»([42]).
وقد أحسن من قال:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد    جاءت محاسنه بألف شفيع
ويستثنى من ذلك أننا لا نوافق من وقع في زلة أو خطأ أو بدعة مهما بلغ علمه، حتى وإن كان من أجل علمائنا، إلا أننا نناصحه بالحسنى على علم وبحلم، ملتزمين الأدب، معترفين بالتقصير أمام من علا فضله وشرف قدره.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

—— مصادر وحواشي المقال ——-

([1]) ابن القيم، كتاب الروح (ص257).
([2]) السيد أحمد الهاشمي، جواهر الأدب (ص13).
([3]) كما صح في السنة.
([4] ) أخرجه البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه.
([5] ) أي خصلة جاهلية، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه.
([6] ) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عائشة.
([7] ) أخرجه البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه..
([8] ) أخرجه مسلم في صحيحه [ كتاب البر والصلة والآداب ، باب فضل الرفق (4/2003 رقم 2593)] من حديث عائشة.
([9] ) بنحوه في: نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي (3/186).
([10] ) الدينوري، المجالسة وجواهر العلم (3/364).
([11] ) ابن القيم، مدارج السالكين( 2/511).
([12] ) بمعنى اكفف عن هذا الفعل.
([13] ) لا تقطعوا عليه بوله.
([14] ) أي صبه.
([15] ) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الأدب ، باب الرفق في الأمر كله (5/2242 رقم 5679)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها (1/236 رقم 285)].
([16] ) أخرجه الترمذي في سننه [ أبواب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض (1/275 رقم 147)]، وسكت عنه، وأصله في الصحيح.
([17] ) أخرجه أحمد في مسنده (16/560 حديث رقم 10956). وأصله في الصحيحين، ولفظ مسلم بنحو حديث الباب.
([18] ) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة [ باب في القدر(2/634 حديث رقم 4693)، وفي سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة (5/204 حديث رقم 2955)].
([19] ) صحيح البخاري [كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا (1/132 حديث رقم 127)]. وهذا أثر ضعيف، لكن ثبت ما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه(1/11) عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا، قال: « ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة».
([20] )أخرجه أحمد في مسنده (13/299 حديث رقم 7922)، وأصله في مسلم.
([21] ) أخرجه أبو داود في سننه [ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر مكة(3/162 حديث رقم 3021)].
([22] ) متفق عليه.
([23] )النووي، شرح صحيح مسلم (15/108). وحديث: «لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه» متفق عليه من حديث جابر.
([24] ) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق (4/2003 رقم 2593)].
([25] ) ابن عثيمين، الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات (ص 53،54).
([26] ) ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول (2/436).
([27] ) المصدر السابق (2/435).
([28] ) صالح بن عبد الله بن حميد، القدوة مبادئ ونماذج (ص 12-13).
([29] )قرن الثعالب: هو قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة، وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير. [ انظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (12/155)].
([30] ) هما بفتح الهمزة وبالخاء والشين المعجمتين، وهما جبلا مكة أبو قبيس والجبل الذي يقابله. [ انظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (12/155)].
([31] ) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (3/1180 رقم 3059)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (3/1420 رقم 1795)].
([32] ) ابن رجب، الفرق بين النصيحة والتعيير (ص28).
([33] ) الغزالي، إحياء علوم الدين (2/182).
([34] ) وفي لفظ: ” فعصيت أمري”.
([35] ) ابن الجوزي، صفة الصفوة، (4/273)، وأبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (9/140)، وروي بنحوه عن أم الدرداء كما رواه البيهقي في شعب الإيمان (6/112)، وعن عمر بن عبد العزيز كما في كتاب القناعة والتعفف لابن أبي الدنيا (ص64).
([36] ) أبو نعيم، حيلة الأولياء (8/95).
([37] ) ابن رجب، العلوم والحكم (ص83).
([38] ) الغزالي، إحياء علوم الدين (2/182).
([39] ) المصدر السابق (2/182).
([40] ) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10/227 رقم 18931).
([41] ) صالح السحيمي، محاضرة مسجلة بعنوان: «تفسير قوله تعالى: (ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بهِ علم)[الإسراء:36]».
([42] ) ابن القيم، مفتاح دار السعادة (1/176).

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد

‫wpDiscuz