مساوئ عامة في التجارات المعاصرة

أضيف بتاريخ: 20 - 08 - 2016 | أضيف في: الاقتصاد الإسلامي| عدد المشاهدات : 421

مساوئ عامة في التجارات المعاصرة

وأما المساوئ العامة فإنها عديدة الجوانب كثيرة المسميات وتتمثل في الجملة فيما يلي :

أولاً : الاستيراد ، وتعرف مساوئ توريده بأربعة صور على المشهور :

الصورة الأولى : كأن يشتري المورد من المصدر بضاعة تكلفتها مليون ريال فيطلب من الشركة المصدرة أن تكتب قيمتها في المستندات نصف مليون ريال فتوافق على ذلك بشرط أن يدفع لها مقدماً ربع القيمة فيوافق المورد. ومقصوده  بهذه الحيلة أن يسلم من نصف جمارك وضرائب الدولة عند وصولها إلى الميناء طمعاً في الربح الكثير وهذه طريقة محرمة من أوجه:

الوجه الأول : وجود الكذب ولكونه سيدعي للجمارك أن قيمة البضاعة نصف مليون ريال ، وستتم جمركة البضاعة بموجب المستندات المزورة والمعتمدة بهذا المبلغ من الشركة المصدرة وفي هذه الحالة ، فالمشتري كاذب وأدلة الكذب في الشريعة وعاقبة الكاذب لا تحصى ولا يجهل حرمة الكذب ولا أثمية الكاذب أحد من الناس.

الوجه الثاني : أن هذه الطريقة حيلة لاختلاس الدولة ومعصية واليها إذا صح أن الوالي رأى مصلحة في فرض الجمرك على المستورد يعود نفعه على أهل الإسلام .

الوجه الثالث : أن هذه الطريقة تظهر للشركات الأجنبية المصدرة صورة مشوهة عن تجار المسلمين ، فيرون الشخصية الإسلامية في نظرهم شخصية ملوثة بالكذب والتزوير والغش ، ولذا فلا يثقون بأي مسلم ولا بدينه قياساً على معاملة عملائهم المسلمين .

لذا :

وجب على ولاة الأمور أن يضعوا حداً لإيقافهم ومنعهم من كل ما يشوَّه سمعة العباد والبلاد ، بل لابد أن توجههم الدولة الإسلامية وفق ما شرع الله سبحانه وتعالى. وفي الصحيحين يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله  وصحبه وسلم : “كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته “. فإن قبلوا النصيحة ثم انتهوا فبها ونعمت.

وإن أبوا فيجب على الحكام أن يعزروا ويؤدبوا أمثال هؤلاء التجار من باب درء المفاسد ولكون ما كان وسيلة لذم الإسلام وأهله محرماً استنباطاً من فقه قوله تعالى { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1).

وفي الآية إشارة إلى أن ما كان وسيلة لحرام فهو حرام لكونه يؤدي إلى منكر أكبر . والسب في لغة العرب يطلق على: الشتم والقطع والطعن. وذم الإسلام وأهله من الطعن في شرع الله.

وهناك بعض التجار يعللون فعلهم هذا بقولهم إنهم لو وضعوا القيمة الحقيقية للسلعة على مستندات الشركة المصدرة لكلفهم الجمرك الكثير من الأموال بحيث يوازي الشراء مما يؤدي إلى رفع السلعة ، فإن كان الأمر كذلك فيجب على ولاة الأمر أن تتقي الله وأن تراعي المسلمين وتجارها بأن تضع حداً وسطاً بما لا يتعارض مع مصلحة المستورد والمستهلك.

الصورة الثانية : أن يعقد المشتري مع الشركة الأجنبية صفقة تجارية فتخبره الشركة أن قيمة الصنف الواحد خمسمائة ريال مثلاً ، فيطلب منها أن تخفف الجودة وتبقي غلاف الصنف حسب غلاف الصنف عالي الجودة لأجل تخفيف القيمة ، ليكون سعر الصنف أربعمائة ريال.

فإن كان موزوناً كتبوا عليه يسع من الوزن خمسمائة جرام ، وهو في حقيقته أقل من ذلك ، وإن كان مقيساً كتبوا على غلافه (مائة ياردة) وهو في حقيقته ثمانون ياردة ، وإن كان طُعْمَاً كتبوا عليه ” يحتوي على جميع أنواع الفيتامينات والبروتينات ” وهو في حقيقته لا يحتوي إلا على سكريات ونشويات ، وهذه الصورة لا تخلو من الكذب والغش والخداع وهي شبيهة الحكم بالأولى.

الصورة الثالثة : كأن يعقد المشتري مع الشركة الأجنبية صفقة تجارية في توريد نوعاً من الأدوية الصحية أو المواد الغذائية فتخبره الشركة المصدرة أن قيمة السلعة الواحدة ألف ريال ومدة صلاحيته ثلاث سنوات فيفاوض الشركة بالسعر الأوفر على أن يخفضوا له قيمة السلعة مقابل تقليل مدة الصلاحية إلى سنة فتوافق الشركة المصدرة وتخفض السعر وتقلل المدة ، ثم يشترط شرطاً آخر فيطلب منهم أن يكتبوا على الغلاف (مدة الصلاحية سنتان) وفي حقيقتها لا تتجاوز عن سنة ، وقد وجد مثل ذلك في بعض الدول العربية وتم مصادرة بعض البضائع ، إلا أن بعض الدول وللأسف لم تضبط مثل ذلك نظراً لكون عمالها على الجمرك يتعاطون الرشاوي فيسقطون ما في ذممهم من المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى وأمام ولاة الأمر أمام الشعوب التي لا حول لها ولا قوة.

لذا وجب على ولاة الأمر : أن تختار العامل الصالح وخصوصاً في أماكن مثل هذه.

ولا شك أن فعل العامل هذا جريمة يشترك فيها مع التاجر ومن شاركهما ولو ضمناً .

لأن مثل هذا الفعل يعرض المجتمع للهلاك بما ينجم من تعاطيها إذا انتهت مدة السنة الأولى ، وما أكثر الحالات المرضية بسبب ذلك في كثير من الدول الإسلامية ، فبالإضافة إلى كونه غشاً وخداعاً فهو حرب لحياة البشر وتحدياً لنظم ودساتير الدول فضلاً عن كونه منافياً لأحكام الشريعة الإسلامية.

وإن تعجب فعجب قولهم :

فبعض الدول قد عرفت مثل هذه الصور ، وعرفت كثيراً ممن يتعاملون بها ومع هذا يغضون الطرف ويخفضون الجناح مع أن الكل خاسر ، فيا سبحان الله ، أين سلامة البشر من الآفات، وأين مسؤولية وزارات الصحة :

صارت مشرقة وصرت مغرباً          شتان بين مشرقٍ ومغربِ

الصورة الرابعة : أن يعقد المشتري صفقة تجارية مع شركة قطاع غيار مثلا ، ويشترط عليها أن تصنع غلافاً مثل الغلاف الأصلي وأن تكتب عليه (صنع في اليابان أو صنع في ألمانيا) وهو في حقيقة أمره صنع في الهند أو الصين أو تايلاند أو سواها من الدول الكافرة ، ويفعل هذا ترويجاً من أجل أن تباع السلعة في الأسواق بأحسن الأثمان ، بل ربما تكون السلع من المستلزمات الصحية أو الأدوية الطبية المستوردة من الهند ، فيكتب على غلافها صنع في فرنسا، أو صنع في سويسرا ونحو ذلك ، وهذه من الجرائم العظام التي سببت حرباً ضروساً على حياة البشرية ، ودعت إلى هدم حالهم الصحي مع ما في ذلك من الغش والكذب والمجازفات. فكيف بهؤلاء التجار الذين يرجون النجاة والتوفيق في أعمالهم ، وقد جندوا أنفسهم لجلب المهالك وشراء المعاصي ، ولم يتسببوا فيما يعود عليهم بالخير والبركات مصلحةً ونفعاً .

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها           إن السفينة لا تجري على اليبسِ

 


(1) سورة الأنعام ، الآية رقم (108).