Notice: Use of undefined constant mysql_prep - assumed 'mysql_prep' in /home/albidhan/public_html/function.php on line 2439

Notice: Use of undefined constant quran - assumed 'quran' in /home/albidhan/public_html/lag.php on line 16

Notice: Use of undefined constant quran - assumed 'quran' in /home/albidhan/public_html/lag.php on line 17

Notice: Use of undefined constant lectures - assumed 'lectures' in /home/albidhan/public_html/lag.php on line 20

Notice: Use of undefined constant lectures - assumed 'lectures' in /home/albidhan/public_html/lag.php on line 21

Notice: Use of undefined constant anasheed - assumed 'anasheed' in /home/albidhan/public_html/lag.php on line 43

Notice: Use of undefined constant anasheed - assumed 'anasheed' in /home/albidhan/public_html/lag.php on line 44

Notice: Use of undefined constant printf - assumed 'printf' in /home/albidhan/public_html/print.php on line 16

Notice: Use of undefined constant savehtml - assumed 'savehtml' in /home/albidhan/public_html/print.php on line 66

Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/albidhan/public_html/function.php:2439) in /home/albidhan/public_html/print.php on line 85

Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/albidhan/public_html/function.php:2439) in /home/albidhan/public_html/print.php on line 86
دعوة لوحدة الكلمة


دعوة لوحدة الكلمة([1])

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

إن من أجل القربات وأزكاها إلى الله الدعوة إلى توحيد الصف ونبذ الفرقة، وإقامة نصوص الكتاب والسنة في حياتنا وعند اختلافنا امتثالاً بسنة من سلفنا من أصحاب القرون المفضلة.

فقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في مسائل اجتهادية كثيرة إلا أنهم أحسنوا التعامل مع بعضهم البعض وفقاً لنصوص الشريعة السمحة.

فلا عيب أن نختلف، كون الخلاف سنَّة قديمة كتبها الله على عباده، إنما العيب إذا اختلفنا في مسائل يسوغ فيها الخلاف تقاطعنا وتهاجرنا وجرح بعضنا بعضاً، معرضين عن المنهج الشرعي القائم على الرحمة والشفقة وبذل النصح بإقامة الحجج وإزالة الشبه والإعذار إلى الله، مع استعمال الحكمة وملازمة الأدب والتحلي بالصبر، وفتح باب الحوار مع المخالف.

فقد أدى خلاف بعض فضلاء العصر إلى النفرة والفرقة وانقسام أصحاب المنهج الشرعي الواحد إلى جماعات يجرح بعضها بعضاً، حتى استغلَّ بعض المغرضين وأصحاب النفوس الضعيفة، وصغار القوم هذه الخلافات لتوسيعها في المجتمع الواحد بنشر الإشاعات والأكاذيب للنيل من الدعاة والعلماء بحجة أن العالم الفلاني أخطأ في المسألة الفلانية، ووقع في بدعة مضلَّة، وفارق الحق، ثم ألحقوه بأهل الضلال قبل استيفاء الحكم وشروطه وانتفاء موانعه، رغم أن من اختلفوا معه كانوا بالأمس القريب يقيمونه مقام إجلال وتوقير، وأما اليوم فلا إجلال ولا توقير ولا فضل له، ولا توبة عند هذا الصنف إلا من سلمه الله، فإذا ما أعلن المخطئ توبته من خطأ وقع فيه، قالوا: لم يكن صادقاً، إنما أعلن توبته مراوغاً أو لحاجة في نفسه، وكأنهم يتعاملون مع شخص تافهٍ لا قيمة له، كانوا يعدونه في السابق من أعلام الهدى ومصابيح الدجى، متناسين فضله الجلي ومقامه العلي، ورب العزة يقول : [وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]([2]).

ويا ليت شعري :

من ذا الذي ما ساء قطُّ         ومن له الحسنى فقطْ

 

كل ابن آدم خطَّاء، ولا يُصْلِح الخطأ الخطأ، والعنف والقسوة والتحذير والهجر ونحوها من مسببات الفرقة، وإنما يصلحه النصح وإقامة الحجج مع لين العبارة.

قال الشيخ عبد المحسن العباد : "ولا شك أن الواجب على أهل السنة في كل زمان ومكان التآلف والتراحم فيما بينهم، والتعاون على البر والتقوى، وإن مما يؤسف له في هذا الزمان ما حصل من بعض أهل السنة من وحشة واختلاف، مما ترتب عليه انشغال بعضهم ببعض تجريحاً وتحذيراً وهجراً، وكان الواجب أن تكون جهودهم جميعاً موجهة إلى غيرهم من الكفار وأهل البدع المناوئين لأهل السنة، وأن يكونوا فيما بينهم متآلفين متراحمين، يذكر بعضهم بعضاً برفق ولين"([3]).

وقال الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - ناصحاً أحد الشباب: "انظر - يا أخي - أنا أنصحك - أنت والشباب الآخرين - الذين يقفون في خط منحرف - فيما يبدو لنا - والله أعلم -:
أن لا تضيِّعوا أوقاتكم في نقد بعضكم بعضاً، وتقولوا: فلان قال كذا، وفلان قال كذا، لأنه:
أولاً: هذا ليس من العلم في شيء.
وثانياً: هذا الأسلوب يوغر الصدور، ويحقق الأحقاد والبغضاء في القلوب.
إنما عليكم بالعلم، فالعلم هو الذي سيكشف: هل هذا الكلام في مدح (زيد) من الناس – الذي له أخطاء كثيرة - ؟!
وهل - مثلاً- يحق لنا أن نسميه: (صاحب بدعة) ؟!
وبالتالي: هل هو مبتدع ؟!

ما لنا ولهذه التعمُّقات ! !

أنا أنصحُ بأن لا تتعمّقوا هذا التعمُّق - لأننا - في الحقيقة - نشكو - الآن - هذه الفُرقة التي طرأت على المنتسبين لدعوة الكتاب والسنة - أو كما نقول نحن: للدعوة السلفية-، هذه الفُرقة - والله أعلم - السببُ الأكبرُ فيها هو: حظُّ النفس الأمّارة بالسوء، وليس هو الخلافَ في بعض الآراء الفكرية، هذه نصيحتي"([4]).
وقال الشيخ – رحمه الله - : "لذلك فالمقاطعة وسيلة شرعية وهو تأديب المهاجر والمقاطع، فإذا كانت المقاطعة لا تؤدبه بل تزيده ضلالاً على ضلال، حينئذ لا ترد المقاطعة، لذلك نحن اليوم لا ينبغي أن نتشبث بالوسائل التي كان يتعاطاها السلف لأنهم ينطلقون من موقف القوة والمنعة" - ثم قال - رحمه الله - : "لو فتحنا باب المقاطعة والهجر والتبديع، للزم أن نعيش في الجبال، الهجر لا يحسن أن يطبق، لأن المبتدعة والفساق هم الغالبون.
إذا انحرف منحرف: ترفقوا به، انصحوه، صاحبوه، فإذا يُئس منه أولا، ثم خشي أن تسري عداوته، إلى غيره ثانيا، يقاطع إذا غلب على رأيه أن المقاطعة هي العلاج، وإنما واجبنا: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: 125)" ([5]) هـ.
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - : "وإذا وقع الخطأ يبيَّن الخطأ بالأسلوب الحسن، والمفاهمة، بقصد الفائدة ليس بقصد التشهير والعيب، وبعض الناس يكتب نشرات في بعض الدعاة، نشرات خبيثة رديئة، لا ينبغي أن يكتبها طالب علم، لأنه أخطأ في كلمة، أو ظن أنه أخطأ في كلمة، فلا ينبغي هذا الأسلوب، طالب العلم الحريص على الخير يسأل عما أشكل عليه بالأسلوب الحسن، والدعاة ليسوا معصومين سواء كانوا مدرِّسين أو خطباء أو في محاضرة أو في ندوة"([6]).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - : "نقول كل إنسان مهما بلغ من العلم والتقوى، فإنه لا يخلو من زلل سببه إما الجهل أو الغفلة أو غير ذلك، لكن المنصف كما قال ابن رجب - رحمه الله - في خطبة كتابه (القواعد): المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.
ولا أحد يأخذ الزلات ويغفل عن الحسنات إلا كان شبيهاً بالنساء، فإن المرأة إذا أحسنتَ إليها الدهر كله، ثم رأت منك سيئة واحدة قالت: لم أرَ منك خيراً قط.
ولا أحد من الرجال يحبُّ أن يكون بهذه المثابة أي بمثابة الأنثى، يأخذ الزلة الواحدة، ويغفل عن الحسنات الكثيرة.
فالقاعدة كما قلت: أننا لا نتكلم عن الأشخاص بأعيانهم مدحاً أو ذمًّا، لا في مجالسنا في مقام التدريس، ولا في اللقاءات، ولا فيما يورد علينا من الأسئلة، ونحن ماضون على ذلك إن شاء الله، ونرجو الله - سبحانه وتعالى - أن يثبتنا عليه، لأن الكلام عن الشخص بعينه قد يثير التحزب والتعصب، ولأنه قد تتغير حاله إلى خير مما كان عليه.
والواجب أن نعلِّق الأحكام بالأوصاف لا بالأشخاص، فنقول: من عمل كذا فيستحق كذا ومن عمل كذا فيستحق كذا، من خير أو من شر، ولكن عندما نريد أن نقوِّم الشخص - إن كان من أهل السنة المعروفين -، فيجب أن نذكر المحاسن والمساوئ، لأن هذا هو الميزان العدل.
وعندما نحذر من خطأ شخص فنذكر الخطأ فقط، لأن المقام مقام تحذير، ومقام التحذير ليس من الحكمة فيه أن نذكر المحاسن، لأنك إذا ذكرت المحاسن فإن السامع سيبقى متذبذباً، فلكلِّ مقام مقال"([7]).
وقال - رحمه الله - : "وأما اتخاذ السلفية كمنهج خاص ينفرد به الإنسان، ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حق، فلا شك أن هذا خلاف السلفية"([8]).
وقال - رحمه الله - : "لكن بعض من انتهج السلفية في عصرنا هذا صار يُضلِّل كل من خالفه ولو كان الحق معه، واتخذها بعضهم منهجاً حزبياً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام"([9]).
وقال - رحمه الله - : "المهم على كل حال هذه مسائل أنا أحثٌكم على عدم التدخل فيها، وعدم الكلام فيها، وهل أنت قطبي ولا جامي، ولا كذا ولا كذا، كل هذا ماله داعٍ، وش علينا من الجامية ولا القطبية، علينا أن نمشي على الطريق التي تنفعنا ولا علينا من زيد وعبيد"([10]).
وقال الشيخ صالح الفوزان رداً على سؤال ورده: "اتركوا الكلام في الناس، اتركوا الكلام في الناس، فلان حزبي، فلان كذا، اتركوا الكلام في الناس، ابذلوا النصيحة، وادعوا الناس إلى اجتماع الكلمة، وإلى تلقِّي العلم عن أهله، وإلى الدراسة الصحيحة، إما دراسة دينية، وهذه أحسن، أو دراسة دنيوية، تنفع نفسك وتنفع مجتمعك، أما الاشتغال بالقيل والقال، فلان مخطئ، وفلان مصيب، وفلان كذا ... هذا هو الذي ينشر الشر، ويُفرّق الكلمة، ويسبّب الفتنة، إذا رأيتَ على أحدٍ خطأ تناصحه بينك وبينه، مب([11]). تجلس في مجلس تقول: فلان سوَّا كذا، وفلان سوّا كذا، تناصحه فيما بينك وبينه، هذه النصيحة، أما كلامك في المجلس عن فلان، هذه ليست نصيحة، هذه فضيحة، هذه غيبة، هذه شر"([12]).
وقال سلمه الله : "من مفاسد التفرق كذلك حصول التفرقة بين المسلمين، بسبب اشتغال بعضهم ببعض في التجريح بالألقاب السيئة، وكلٌّ يريد أن ينتصر لنفسه من الآخر، فينشغل المسلمون بأنفسهم، وهذا يكون على حساب تعلُّم العلم النافع، فإن كثيرًا كثيرًا من طلبة العلم فيما يبلغنا أن همهم وشغلهم الشاغل هو الكلام في الناس، وفي أعراض الناس  في مجالسهم، وفي تجمعاتهم، يخطّئون هذا، ويصوّبون هذا، ويزكون هذا، ويضلّلون هذا، فليس لهم شغل إلا الكلام في الناس"([13]).

ومن المعلوم عند العقلاء وأهل النظر أن تصحيح الخطأ لا يقوم إلا على أسس شرعية يجب فيها التزام أدب النقد من جهة الناقد، إذ يجب عليه التزام الحكمة وحسن النقد حال نقده، وأن يكون مثالاً حيًّا فلا يكون نقده خلاف واقعه، ومن جهة المتهم، الذي صح منه وقوع الخطأ - إذ يجب عليه أن يتقبل نقد أخيه بصدر رحب مع السعي لإصلاح ذلك العيب.

والنقدُ في العادة لا يخلو عن كونه رسالةً مُوجهةً إلى واحد من ثلاثة: إما مساوٍ لك في القدر والمكانة كالصديق، وإما دونك كالولد والتلميذ، وإما أعلى منك كالوالدين والعالم والأمير.

وكل هؤلاء بشر يعتريهم ما يعتريك من الخطأ والنقص والعيب، وكونك مصلحاً ناصحاً لن تنجح في نصيحتك حتى تأخذ بهذه النصيحة الربانية القرآنية : [ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]([14]).

فصديقك وجارك ووالداك وأميرك ومعلمك الخير وزميلك والناس أجمعون لن يقبلوا منك وداً ولا حباً ولا أُلْفة حتى تحببهم إليك بأخلاقك وحسن أدبك في النقد والوعظ، ولذا قال الله عز وجل لنبيه : [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ] ([15])"([16]).

ولا يعني اللّين مع المخالف واستعمال الحكمة معه ترك مذهب السلف الصالح والبعد عن فهمهم وعدم التحذير من البدعة وأهلها، والقسوة على المخالف متى كانت أرجح من اللين، بل هذا كله مطلوب وفق النصوص الشرعية، إذ الحكم على المخالف المعين بأنه مبتدع أو ضال يجب هجره، لا بد وأن يكون وفق المعايير الشرعية، كما بينته  في كتابي "ضوابط التبديع" وكذا كتابي "ضوابط الهجر وأحكامه"([17]).

قال ابن تيمية - رحمه الله - : "هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية"([18]).

ولا يعني ذلك أنني أدعو الفضلاء إلى ترك الردود العلمية على المخالفين من أهل الأهواء والبدع أو غيرهم ممن ثبتت في حقه البدعة وتمسك بها ودعا إليها رغم قيام الحجج المفحمة، بل القضية تتعلق بحق إخوانهم الذين اختلفوا معهم في مسائل يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد سواء كانت مسائل عارضة في عصرنا الحاضر أو مسائل سبق الخلاف فيها مما لا يتصادم مع نصوص الشريعة.

أما من أظهر بدعة صريحة وأصرَّ عليها رغم قيام الحجج وإزالة الشبه فيلزم الرد عليه من العالم الفاضل الورع حتى يتوب إلى الله فإن تاب إلى الله وأصلح وإلا ألحقه العلماء الورعون بأهل البدع.

قال ابن رجب: " ولقد ذكر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل من أهل العلم، كانت له زلة، وأنه تاب من زلته، فقال: لا يقبل الله ذلك منه حتى يظهر التوبة والرجوع عن مقالته، وليعلمن أنه قال مقالته كيت وكيت، وأنه تاب إلى الله تعالى من مقالته، ورجع عنه، فإذا ظهر ذلك منه حينئذ تقبل، ثم تلا أبو عبد الله [إلاَّ الَذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا]([19]).
وإضافةً لما تقدم فإنني أؤكد البراءة من التحزب وأهله لخطره على الأمة، حيث لا يزيدها إلا تمزقاً وضعفاً، إذ لا حزبية في الإسلام.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - : "فلا حزبية ولا تعدد، ولا موالاة، ولا معاداة إلا على حسب ما جاء في الكتاب والسنة، فمن الناس مثلاً من يتحزب إلى طائفة معينة،  يقرر منهجها ويستدل عليه بالأدلة التي قد تكون دليلاً عليه، ويحامي دونها، ويضلل من سواه حتى وإن كانوا أقرب إلى الحق منه، ويأخذ مبدأ: "من ليس معي فهو عليَّ" وهذا مبدأ خبيث، لأن هناك وسطاً بين أن يكون لك أو عليك، وإذا كان عليك بالحق، فليكن عليك وهو في الحقيقة معك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"([20]).
ونصر الظالم أن تمنعه من الظلم، فلا حزبية في الإسلام، ولهذا لما ظهرت الأحزاب في المسلمين، وتنوعت الطرق، وتفرقت الأمة، وصار بعضهم يُضَلِّلُ بعضاً، ويأكل لحم أخيه ميتاً، لحقهم الفشل كما قال تعالى: [وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَب رِيحكُمْ]([21]))"([22]).
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الباب: أنه يجب على المسلم الدفاع عن أعراض إخوانه العلماء والدعاة وغيرهم من عامة الناس إذا انتهكت أعراضهم أمامه.
وهذا واجب شرعي كاد أن يغيب اليوم في صفوف كثير من المتعلمين خلافاً لما كان عليه سلفهم الصالح.
وقد ثبت في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "مَنْ رَدَّ عن عرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة"([23]).
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم ردَّ غيبة مالك بن الدخشم، وقال للقائل الذي قال: إنه منافق لا يحب الله ورسوله: "لا تقل ذاك، ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"، فقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله لا نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"([24]).
وردَّ معاذ بم جبل غيبة كعب بن مالك، لما قال الرجل فيه عند النبي صلى الله عليه وسلم: حبسه النظر في برديه، فقال معاذ: "بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً"([25]).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: "والواجب - بارك الله فيك - لمن صدر منه ما يُنتقد عليه, أن يدافع الإنسان عن أخيه إذا سمع من ينتقده في هذا، ويقول: لعله اشتبه عليه الأمر، لعل له تأويلاً، لا سيما من عُرف بالصدق والإخلاص، وحب نشر العلم"([26]).
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضاً: أن الخلائق غير مطالبة شرعاً بجرح فلان من الناس، فهذا شيء لم يكلفك الله به، فإن كلفت نفسك به وجرحت غيرك تعرضت للسؤال عنه يوم القيامة وحُق لمن ظلمته أن يقتص منك، نعم من واجب العالم الورع التقي الذي توفرت في حقه شروط الجرح أن يجرح المخالف للشرع – من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - جرحاً موازياً للخطأ على قدر الحاجة بما يزيل المفسدة بميزان العدل والإنصاف، ولديه جواب وحجة إذا عُرض يوم العرض على الله، وإلا اقتص منه حتى وإن كان أعلم الخلق وأتقاهم، فما بالكم بمن هو دون العلماء الورعين الأتقياء، فاتقوا الله وأعدوا الجواب والعدة ليوم العرض على الله يا من جرحتم إخوانكم من غير روية - رحمني الله وإياكم -.

ولذا أقول : هذه كلمات موجزات ـ لم أقصد بها البسط، بل قصدت الإشارة والتلويح ـ أوجهها لإخواني المسلمين كافة وخصوصاً العاملين في الحقل الدعوي، لعلها تساهم في جمع الكلمة وتوحيد الصف، ولمِّ الشتات، أو على الأقل تخفف من حدة الخلاف حتى لا نكون لقمة سائغة للأعداء.

خُلِقَ العِبادُ إِلى السَعادةِ وَالصَفا 
حَسَدٌ وَبُغضٌ وَاِغتيابٌ قَد فَشا
لَو كانَ فينا ألفةٌ وَتَحاببٌ

 

لَكِن لِسوء الحَظِّ ما أَشقانا
بَينَ الشُعوبِ وَهَدَّمَ الأَركانا
ما اِستَعبَدَتنا في الوَرى أَعدانا

إن هذه الكلمات الموجزات دعوةٌ صادقةٌ لهذه الأمة المرحومة في أن تحَكٍّمَ الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة في جميع خلافاتها بعيدًا عن التطرف والتحزب, فإن أهل السنة كانوا قديماً غرباء بين الفرق الهالكة, وأما اليوم فهم غرباء فيما بينهم, لكثرة الخلافات والتجريح الجائر والفرقة في مجتمعهم, وغرباء بين الفرق الهالكة الأخرى, والله المستعان.
اللهمَّ رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السماوات والأرض, عالم الغيب و الشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختُلف فيه من الحقِّ بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

و صلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الرياض، حرر يوم الجمعة بتاريخ 4 جمادى الأولى 1435هـ


([1]) هذا المقال ضمن سلسلة من المقالات المقتضبة من كتابي " الوثيقة المهمة لإصلاح ما بين فضلاء الأمة على منهج السلف والأئمة ص6 وما بعدها" طبعة دار اللؤلؤة، بيروت، سنة الطبع 1436هـ،.

([2])  سورة البقرة ، الآية (237).

([3]) عبد المحسن العباد، رفقا أهل السنة بأهل السنة (ص3).

([4]) الألباني، سلسلة الهدى والنور، شريط رقم (784).

([5]) الألباني، سلسلة الهدى والنور، شريط رقم (666).

[6] ابن باز، محاضرة صوتية بعنوان "نصيحة ووجوب حسن الظن بالدعاة والعلماء لسماحته".

([7]) ابن عثيمين، لقاءات الباب المفتوح، جمع الطيار (455 – 456/3).

([8]) ابن عثيمين، لقاء الباب المفتوح، السؤال رقم: (1322).

([9]) المصدر السابق.

([10]) ابن عثيمين  من خلال فتوى صوتية لفضيلته رحمه الله حول الخلافات الجارية والتهم المتبادلة.

([11]) لهجة نجدية عامية بمعنى "ليس".

([12]) الفوزان، فتوى صوتية مسجلة لفضيلته رداً على سؤال ورده عن الذين يشغلون أنفسهم بالكلام في الناس، والفتوى منشورة على الشبكة العنكبوتية.

([13]) الفوزان، كتاب محاضرات في العقيدة والدعوة (69/3).

([14]) سورة النحل، الآية (125). .

([15]) آل عمران: 159.

([16]) مقتطف من مقال للكاتب نشر على موقعه الالكتروني قبل سنوات تحت عنوان : " النقد المرغوب".

([17]) رسالتان مطبوعتان، وقد طبعتا ثلاث طبعات، آخرها طبعة دار اللؤلؤة، بيروت.

([18]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى ( 3/229-230).

([19]) ابن رجب، ذيل طبقات الحنابلة (1/300).

([20]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المظالم والغصب، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً (2/863 رقم 2311)] من حديث أنس.

([21]) الأنفال: 46.

([22]) محمد بن صالح العثيمين، مجموع الفتاوى ورسائل العثيمين (26/239).

([23]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب البر والصلاة، باب "ما جاء في الذب عن عرض المسلم"، (4/327 رقم 1931)] من حديث أبي الدرداء، والحديث صحيح.

([24]) أخرجه البخاري في صحيحه [أبواب المساجد، باب المسجد في البيوت (1/164 رقم 415)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (1/454 رقم33)] كلاهما من حديث محمود بن الربيع الأنصاري.

([25]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المغازي]، باب حديث كعب من مالك وقول الله عز وجل: [وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا] (4/1603)، ومسلم في صحيحه [كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (4/2120 رقم 2769)].

([26]) ابن عثيمين، فتوى صوتية حول وجوب الدفاع عن أعراض المسلمين.



كاتب المقالة :
تاريخ النشر : 07/08/2015
من موقع : الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ الدكتور صادق البيضاني
رابط الموقع : http://albidhani.com

Notice: Use of undefined constant saveword - assumed 'saveword' in /home/albidhan/public_html/print.php on line 99

Notice: Use of undefined constant savepdf - assumed 'savepdf' in /home/albidhan/public_html/print.php on line 135