أقسام الحديث المردود

أضيف بتاريخ: 29 - 08 - 2016 | أضيف في: مباحث في الحديث| عدد المشاهدات : 2٬156

أقسام الحديث المردود

وينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: مردود بسبب سقط، ومردود بسبب طعن، ، وإليك بيان هذين القسمين:

أولاً: أقسام المردود بسبب السقط.

وهو ما سقط من إسناده راوٍ فأكثر وينقسم في الجملة إلى خمسة أقسام:

الأول: المعلَّق وهو الذي حذف من مبتدأ إسناده راوٍ فأكثر كقول الشافعي قال نافع، أو قال ابن عمر، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.

وهو غالب في صحيح البخاري، قليل جداً في صحيح مسلم، ولا يُعَدُ المعلق فيهما من الحديث الذي على شرطهما، وإنما يذكرانه من باب المذاكرة أو الفائدة ونحوهما.

والمعلَّق من قسم الحديث المردود اتفاقاً إلا أن ما ورد في الصحيحين منه على تفصيل:

فم اكان منه بصيغة الجزم كـ قال وروى وشبههما فالظاهر فيه الاتصال.

وما لم يكن فيه جزم كـ رُوي أو في الباب كذا وكذا وما أشبههما فالظاهر فيه الانقطاع، لأن مثل هذه العبارات تُستعمل في الضعيف، ومع ذلك فإيراد هماله في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله، فقد قال أبو العباس القرطبي في كتابه في السماع: ” البخاري لا يعلق في كتابه إلا ما كان في نفسه صحيحاً مسنداً لكنه لم يسنده ليفرق بين ما كان على شرطه في أصل كتابه وبين ما ليس كذلك “أهـ

وقال سراج الدين في المقنع في علوم الحديث: ” على أن البخاري نفسه ذكر مرة التعليق بغير صيغة جزم ثم أسنده في موضع آخر من صحيحه”(1).أهـ

قلت: وهذا يدل على أن الباحث قد يجد الحديث المعلق موصولاً في موضعٍ آخر من صحيح البخاري أو في السنن أو المسانيد أو المصنفات وغيرها، وقد تتبعها الحافظ ابن حجر، وأوصلها في كتابه تغليق التعليق، وعليه فيلزم الباحث النظر في مظان الحديث فيما جزم به الشيخان وما لم يجزما به حتى يخرج من مواطن الخلاف التي قيلت في هذا الباب والله أعلم.

الثاني: المرسل وهو إسقاط من بعد التابعي قائلاً قال رسول الله أو فعل ونحوه، وهو أولى التعريفات وأتقن ولا يشترط أن يكون المُرْسِل تابعياً كبيراً خلافاً للشافعي.

وللعلماء فيه آراء فمالك وأبو حنيفة وبعض الفقهاء و الأصوليين احتجوا به مطلقاً.

وقوم ردوه مطلقاً.

وقال جمهور المحدثين وهو الذي استقر عليه جماهير المتأخرين من أهل الحديث: إنه ضعيف لاحتمال أن يكون الساقط ضعيفاً إلا إن اعتضد بشرط أن يكون المُرْسِل من التابعيين الذي إنْ سَمَّى مَنْ أرسل عنه سمى ثقة، ولم يخالف من شاركه في الرواية.

مضافاً إلى ذلك أن يأتي من وجه آخر مسنداً أو مرسلاً عن غير رجال المُرْسِل الأول لاحتمال أن تكون روايتهما عن شيخ واحد هو بعينه صاحب الإرسال ليس غير، وهذا في الجملة مذهب قوي.

قال السيوطي في تدريب الراوي نقلاً عن النووي: فإن صح مخرج المرسل بمجيئه أو نحوه من وجه آخر مسنداً أو مرسلاً أرسله مَنْ أخذ العلم عن غير رجال المُرْسِل الأول، كان صحيحاً هكذا نص عليه الشافعي في الرسالة مقيداً له بمرسل كبار التابعين، ومن إذا سمى من أرسل عنه سمى ثقة، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، وزاد في الإعتضاد أن يوافق قول صحابي أو يفتي أكثر العلماء بمقتضاه فإن فُقِدَ شرطٌ مما ذُكِر لم يقبل مرسله.

ويتبين بذلك صحة المرسل(2) وأنهما صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق رجحناهما عليه إذا تعذر الجمع(3). أهـ

قلت: ويشترط في المسند أن يكون صالحاً في الاعتبارات، وأما المرسل الآخر فلا بد أن يكون صحيحاً أو حسناً ، وإلا لا فائدة من اعتضاد المرسل بضعيف مثله.

فلو صح السند إلى مَنْ أرسله، وجاء من وجه آخر مرسلا ضعيفاً سواء كان خفيفاً أو شديداً فعلة الإرسال لازالت قائمة، ولا يكون الحديث حسناً لغيره حينها، ولا يصلح اعتضاده بقول صحابي أو فتوى جمهور العلماء لأنه فقد شرطاً أساسياً لا بد منه، ولا يشترط في التابعي المرسل أن يكون كبيراً على الصحيح.

ومثال المرسل: حديث “في ديننا أن نجز الشارب وأن نعفي اللحية”

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف

قلت: وهو من مراسيل التابعي الكبير عبيد الله بن عتبة.

كما رُوِيَ مرسلاً من طريقين آخرين:

الأول: عن يحيى بن أبي كثير.

أخرجه الحارث في مسنده.

وفي إسناده: عبد العزيز بن أبان أبو خالد الأموي الكوفي أحد المتروكين.

الثاني: عن يزيد بن أبي حبيب.

أخرجه ابن جرير في تاريخه.

وفي إسناده: محمد بن اسحاق لا يعتمد عليه في السير وهو في غيرها حسن الحديث إن صرح بالتحديث ولم يصرح فيهذه الرواية.

وللحديث شاهدان:

الأول: عن أبي هريرة

أخرجه ابن بشران في الأمالي.

وإسناده ضعيف جداًفيه من لا يعرف حاله.

وفيه أيضاً: عصمة بن محمد المديني وهو ضعيف.

الثاني: عن ابن عباس

أخرجه ابن النجار في تاريخه.

ولم أقف على سنده في تاريخ ابن النجار ولا أظن أنه يستقيم سنده عنده، ولم يطبع كتاب التاريخ سوى بعض نسخ ذيله ويغلب على الكتاب أنه مفقود كاملاً حتى الآن ولله العلم من قبل ومن بعد.

والحاصل: أن الحديث حسن لغيره.

فقد اجتمع لنا من مجمل هذه الروايات طريقان: لا بأس بهما:

الأول: من طريق عبيد الله بن عتبة.

وإسناده: صحيح لولا علة الإرسال.

الثاني: من طريق يزيد بن أبي حبيب.

وإسناده: حسن لولا علة الإرسال وعدم تصريح ابن اسحاق.

ولا شك أن هاتين الروايتين ترقيان بالحديث إلى درجة الحسن لغيره.

وقس أمثال ذلك من الروايات الأخرى في مسألة الحديث المرسل.

ويخرج عن مرسل التابعي مرسل الصحابي: وهو رواية الصحابي حديثاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يسمعه منه وإنما سمعه من صحابي آخر إما لكونه كان صغيراً أو متأخر الإسلام ونحو ذلك فهذا حجة لكون الصحابة عدولاً.

الثالث: المنقطع وهو ما سقط من إسناده راوٍ فأكثر على غير التوالي.

وضده الحديث المتصل: وهو مااتصل إسناده إلى منتهاه ولو كان معنعناً بشرطين:

الشرط الأول: سلامة الراوي من وصمة التدليس.

الشرط الثاني: ثبوت ملاقاته لمن عن عن عنه ولو مرة.

وإلا كان حكمه حكم المنقطع.

الرابع: المعضل وهو ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي.

الخامس: المُدَلَّيس

وهو قسمان: تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ.

قال الحافظ ابن جماعة في المنهل الراوي: فالأول تدليس الإسناد: وهو أن يروي عَمَّنْ لقيه أو عاصره(4) ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه، ولا يقول أخبرنا وما في معناه ونحوه بل يقول: قال فلان أو عن فلان أو أن فلاناً قال وشبه ذلك، ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر.

وهذا القسم من التدليس مكروه جداً، وفاعله مذموم عند أكثر العلماء ومَنْ عُرِفَ به مجروح عند قوم، لا تقبل روايته بَيَّنَ السماع أو لم يبينه.

والصحيح التفصيل فيما بَيَّنَ فيه الاتصال بـ: سمعت وحدثنا ونحو ذلك فهذا مقبول وفي الصحيحين وغيرهما منه كثير، وذلك لأن هذا التدليس ليس كذباً مالم يبين فيه الاتصال بل لفظه محتمل فحكمه حكم المرسل (5).

وظاهره أن ابن جماعة لا يفرق بين تدليس الإسناد والمرسل الخفي، والصحيح التفريق.

قال الحافظ في النزهة: والفرق بين المدلَّس والمرسل الخفي دقيقٌ حصل تحريره بما ذُكِر هنا: وهو أن التدليس يختص بمن رُوِى عَمَّنْ عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه، فهو المرسل الخفي.

ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة، ولو بغير لُقِي، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه.

والصواب التفرقة بينهما(6) أهـ، ثم أخذ الحافظ يدلل على ذلك.

قلت: والمرسل الخفي وكذا المدلس ينجبر ويعضد بمثله ونحوه في المرتبة إن وجد له شاهد أو متابع، ما لم يكن المدلِّس ممَّنْ احْتُمِلَ سماعه فإن كان كذلك فحديثه حجة، وهو مرتبتان عند الحافظ في طبقاته:

الأولى: مَنْ لم يوصف بذلك الا نادراً كيحيى بن سعيد الأنصاري.

الثانية: مَنِ احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لا يدلس الا عن ثقة كابن عيينة.

فائدة:

قال الحافظ في الطبقات: الثالثة: مَنْ أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم مَنْ رَدَّ حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي.

الرابعة: مَنِ اتُّفِقَ على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء، والمجاهيل كبقية بن الوليد.

الخامسة: مَنْ ضُعِّفَ بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع الا أن يُوَثَّقَ من كان ضَعْفُه يسيراً كابن لهيعة. أهـ

قلت: والأخذ بهذه المراتب أسلم لطلبة الحديث حتى لا يحصل الخلط.

القسم الثاني: تدليس الشيوخ وهو أن يسمي شيخاً سمع منه بغير اسمه المعروف، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لم يشتهر به كي لا يعرف وهذا أخف من الأول.

وتختلف الحال في كراهيته بحسب اختلاف القصد الحامل عليه.

وهو إما لكونه ضعيفاً أو صغيراً أو متأخر الوفاة أو لكونه مكثراً عنه فيكره تكراره على صورة واحدة وهو أخفه.

وقد جرى عليه المصنفون وتسامحوا به، وأكثر الخطيب منه.

إلا أنه لا بدَّ من النظر في هذا الشيخ الذي حصل به التدليس.

والبحث عن اسمه ليعرف حاله، فإن كان مقبول الرواية قُبِلَ حديثه، وإن كان دون ذلك فمردود، وينظر هل سمع أم لم يسمع منه لاحتمال أن يكون المدلس جمع بين تدليس الإسناد والشيوخ، ثم يحكم على روايته بما تستحق.

وينقسم تدليس الإسناد على المشهور إلى أربعة أقسام :

الأول: تدليس التسوية: وهو إسقاط ضعيف بين ثقتين سواء سمع أحدهما من الآخر أم لا – لكنهما تعاصرا – ومن مشاهير مَن عُرِف بذلك الوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد الحمصي، وهذا نوع قبيح إلا أنه لا يُعد جرحاً للراوي، ولكن لا تقبل روايته إن كان ثقة حتى يصرح بالتحديث إلى تلميذ طرف الخبر – أي يصرح بالتحديث عن شيخه وشيخ شيخه، وهكذا إلى منتهاهما لم يكن الحديث قد جاء من طريق آخر صحيح أو حسن، أو فيه التصريح الذي لا يحتمل غيره.

الثاني: تدليس السكوت: وهذا قبيح أيضاً إلا أن الأول أقبح وهذا محتمل.

وتعريفه: أن يحدث الراوي فيقول: مثلاً حدثنا أو أخبرنا فيسكت ثم يقول: فلان وهكذا، فسكوته قد يفيد أنه تكلم في نفسه بشيء لا يفيد أنه سمع ممن حدث عنه، وإنما بواسطة راوٍ آخر، أو أنه نفى أن يكون حدثه من تفوَّه به عندما قال: حدثنا.

ولتوضيحه كأن يقول الراوي علانيةً حدثنا: فيسكت، ويقول في نفسه مثلاً ما حدثنا ثم يقول: هشام وهكذا، ومعناه أنه ما سمع هذا الحديث من هشام، وإنما سمعه من غيره، ففيه شيء من الانقطاع، وقد يكون سمعه بالفعل إلا أنه يُشك فيه بسبب سكوته، وممن عرف بذلك عمر بن علي ابن عطاء المقدمي وهو من رجال الكتب الستة.

قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال ابن سعد كان ثقة، وكان يدلس تدليساً شديداً يقول سمعت وحدثنا ثم يسكت، فيقول هشام بن عروة والأعمش، وقال كان رجلاً صالحاً ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، وأما غي رذلك فلا ولم أكن أقبل منه حتى يقول حدثنا.

وقال أبو حاتم: محله الصدق ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة(7). أهـ

وهذا النوع والذي قبله ينبغي أن يتوقف في رواية مَنْعرف به حتى ظهور الشاهد أو المتابع، والله أعلم.

الثالث : تدليس القطع: وهو أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله كقول ابن عيينة الزهري عن أنس ،فقيل سمعته من الزهري ، فقال : لا.

الرابع : تدليس العطف: وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له، ويعطف عليه شيخا آخر له، ولا يكون سمع ذلك من الثاني ، وهذا النوعان الأخيران لا يحكم فيهما بالسماع إلا بتصريح من وجه آخر.

 

 

((( وللكلام بقية )))

 

 


(1) انظر كتاب المقنع في علوم الحديث، سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع، دار فواز للنشر، السعودية، الطبعة الأولى، 1413هـ، ( ص73 ).

(2) يعني أنه يحتج به بشروطه المتقدمة.

(3) جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: عبد الوهاب عبداللطيف، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، (1/198، 199).

(4) لا يقال: أو عاصره حتى لا يقعا لخلط بينه وبين المرسل الخفي، فالخفي لا تلزم فيه اللقي بخلاف المدلَّس.

(5) محمد بن إبراهيم بن جماعة، المنهلالروي في مختصر علوم الحديث النبوي، تحقيق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1406هـ، (ص72).

(6) ابن حجر العسقلاني، نزهة النظر شرح نخبة الفكر، مصدر سابق، (ص114).

(7) أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، تهذيب التهذيب، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1404هـ، 1984م، (7/427).

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد