الجمع بين قول الله تعالى: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، وقوله تعالى: “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ”، وهل الحرية الدينية متناقضة مع الجهاد في سبيل الله؟

أضيف بتاريخ: 12 - 09 - 2019 | أضيف في: الفتاوى الشرعية| عدد المشاهدات : 37

الجمع بين قول الله تعالى: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، وقوله تعالى: “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ”، وهل الحرية الدينية متناقضة مع الجهاد في سبيل الله؟

للدكتور صادق بن محمد البيضاني


س104 : كيف نجمع بين قول الله تعالى: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”، وقوله تعالى: “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ”، وهل الحرية الدينية متناقضة مع الجهاد في سبيل الله؟


ج104 : لا شك أنه لا إكراه في الدين لكون الإسلام دين الحوار والاقناع بالحجج والبراهين، فمن أسلم فلنفسه، ومن بقي على الكفر فلا نكرهه بالدخول في الاسلام، فقد أرسل النبي عليه الصلاة والسلام رسله إلى ملوك عصره وعظمائهم بالرسائل والحجج، وقال لهم وللناس بقول الله جل في علاه : “لا إكراه في الدين”، ومع ذلك فرض الله الجهاد وطلب من رسوله مقاتلة الكافرين من مشركين ويهود ونصارى وغيرهم، فهل أكره نبينا عليه الصلاة والسلام المشركين واليهود وغيرهم على الاسلام بهذا الجهاد؟! الجواب: لا، إذن لماذا قاتلهم رسول الله؟ الجواب: لأن المشركين أذوه وآذوا أصحابه وظلموهم وخانوا العهود ولم يقيموا حكم الله، ولهذه الأسباب ونحوها فرض الله الجهاد على رسوله وأمته إلى قيام الساعة كما قال الله تعالى: “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”، إذن القضية ليست اكراهاً ولا رأياً محضاً من رسول الله، بل وحي من الله لأسباب شرعية، وهذه الأسباب تختلف من حال إلى حال، ومن أهمها كالتالي :

ردّ الاعتداء، وفي هذا يقول الله تعالى: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا”، ومنها نصرة ضعفاء المسلمين، قال تعالى: “وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا”، ومنها رفع الكافر عن سلطة الخلق لإزالة الشرائع الباطلة، فإذا سقط حكم الحاكم الكافر فإن الحاكم المسلم ومن معه من المسلمين لا يجبرون الكافرين على وجوب الاسلام لكنهم يدفعون الجزية بشرط الاستطاعة إذا لم يسلموا مقابل إقامة العدل فيهم والأمن، ومقابل تخليصهم من جور وفسق وفجور الحاكم الكافر الذي تم ازالته بالجهاد في سبيل الله، ومن ذلك أيضاً المحافظة على حقوقهم وأموالهم، وقطع دابر الفساد، وهذا السبب هو المقصود من قوله تعالى: “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”.
ومن أسباب فرض الجهاد دفع الشرك والكفر ليعبد الله وحده لقوله تعالى: “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ”.
فبقاء الكافرين حكاماً على البشرية ساعد على نشر الكفر والشرك وأوقع البشرية في ويلات الحروب التي راح ضحيتها مئات الملايين من البشر كما بسطت ذلك في مقالاتي السياسية التي ذكرت فيها تاريخ حروب البشرية كما أدى حكمهم إلى افساد البشرية وإيقاعها في وحل الفقر والجنس والرذيلة وآفات الظلم والجريمة، فجاء الاسلام ليجعل السلطة لله ولدينه كما قال تعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ “، وقال تعالى: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.

والحاصل: أن الحرية الدينية بين المسلمين والكافرين قائمة وأن الاسلام وأهله لا يكرهون أحداً في الدخول في الاسلام وإنما دعوتهم للدين بالحوار والاقناع والحجج والبراهين، وأن الجهاد مفروضٌ لأسباب شرعية، ومن أجلها إزالة حكم كل حاكم كافر لا يؤمن بالإسلام لأجل يحل محله الحاكم العادل المسلم ليقيم حكم الله ويحارب الشرك والوثنية، ولا يلزم من ذلك إكراه الشعب الكافرين بالدخول في الاسلام في ظل النظام الاسلامي، وإنما واجب المسلمين دعوتهم للإسلام: “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” فمن أسلم منهم عن اقتناع فبها ونعمت، ومن لم يسلم فأمره إلى الله، بخلاف من هو مسلم أصالةً أو أسلم ثم ارتد فإنه يُستتاب وإلا قُتل حداً وفقاً للقضاء الشرعي لكونه كان مسلماً ثم أخل بشروط الاسلام وخان دين الله فارتد فلزم عقابه بما شرعه الله حتى لا تعم الفوضى ويظهر بردته فساد كبير عملاً بما أخرجه الجماعة إلا مسلماً من حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: “من بدل دينه فاقتلوه” حيث تقام في هذا المخلوق المرتد أحكام الشريعة وفقاً لشريعة خالقه.

قال تعالى: “وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ “، فقوله: “وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلامِهِمْ “ هؤلاء ارتدوا عن دين الله بسبب كفرهم بعد الاسلام، وقوله تعالى: “فَإِن يَتُوبُواْ “ إشارة للاستتابة لمن أراد أن يراجع نفسه، وقوله تعالى: “وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا” إشارة لإقامة حد الردة على المرتدين، فقتلهم هو عذاب الله في الدنيا.

ومن الأمور المسلمات كما تعلمون أن عامة حكام دول العالم عبر القرون من يهود ونصارى وملاحدة ومجوس يعدمون بعض القادة السياسيين بمجرد خيانته للوطن أو خيانته للحاكم أو للحزب، وربما لا يحاكمونه محاكمة عادلة قبل إعدامه، فما بالكم بمن يخل في شرط اشترطه رب العالمين الحكم العدل الخالق صاحب السلطة المطلقة سبحانه في حق من ارتد عن دينه، وبالله التوفيق.