الحب في الله الحقيقة والمضمون

أضيف بتاريخ: 26 - 08 - 2016 | أضيف في: مباحث منهجية| عدد المشاهدات : 1٬257

الحب في الله الحقيقة والمضمون

 

قال ابن منظور : الـحُبُّ نَقِـيضُ البُغْضِ ، والـحُبُّ: الودادُ والـمَـحَبَّةُ، وكذلك الـحِبُّ بالكسر.

وحُكِي عن خالد بن نَضْلَة: ما هذا الـحِب الطارِقُ؟ وَأَحَبَّهُ فهو مُـحِبٌّ، وهو مَـحْبُوبٌ ، علـى غير قـياس هذا الأَكثرُ.

وقد قـيل مُـحَبٌّ، علـى القِـياس ، قال الأَزهري: وقد جاء الـمُـحَبُّ شاذاً فـي الشعر؛

قال عنترة:

 

ولقد نَزَلْتِ فلا تَظُنِّـي غيرَه      مِنِّـي بِمَنْزِلةِ الـمُـحَبِّ الـمُكْرَمِ(1).

 

وهو ثلاثة أضرب  .. فإن للحب بدايةً وتوسطاً ونهاية … فحب البداية هو حب العلاقة ويسمى علاقةً لتعلق القلب بالمحبوب .

قال الشاعر :

 

أعلاقةٌ أمَّ الوليدِ بعدما     أفنانُ رأسك كالثغامِ المخلسِ

 

والحب المتوسط : وهو حب التملق وهو التذلل والتواضع للمحبوب والانكسار له وتتبع مواقع رضاه وإيقاعها على ألطف الوجوه ، فهذا هو التملق وهو إنما يكون بعد تعلق القلب به .

 

والحب الثالث : الذي هو يباشر القلب ويصطلم العقل ويُذْهِب اللب ويمنع القرار ، وهذه المحبة تنقطع دونها العبارة وتمتنع إليها الإشارة )(2).

وهذا الثالث هو الجنون بعينه الذي يسيطر على صاحبه إلى درجة الشغف

كما قال النسوة عن امرأة العزيز :” قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً “(3).

قال الكلبي : حجب حبُّه قلبها حتى لا تعقل سواه(4).

والبُغْض نَقِـيضُ الـحُبُّ (..وقد بَغُضَ الرجل من باب ظرف أي صار بَغِيضَاً ، وبَغَّضَهُ الله إلى الناس تَبْغيضاً فأَبْغَضُوهُ أي مقتوه فهو مُبْغَضٌ ، والبَغْضَاءُ : شدة البغض ، وكذا البِغْضَةُ بالكسر ، وقولهم ما أَبْغَضَهُ لي شاذ ، والتَبَاغُضُ ضد التحاب )(5).

وكمال الإيمان أن يكون الحب والبغض مرتبطين بالله خاليين عن الهوى والعلاقات الذاتية والشيطانية.

ولذا جاء في الحديث : “من أحب لله ،وأبغض لله ،وأعطى لله ، ومنع لله فقد استكمل الإيمان”(6).

وفي حديث آخر :” أفضل الأعمال الحب في الله ، والبغض في الله “(7).

قال المناوي نقلاً عن القاضي عياض : والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله ، وأن كل ما يراه كمالاً في نفسه أو غيره فهو من الله وإلى الله وبالله لم يكن حبه إلا لله وفي الله ، وذلك يقتضي إرادة طاعته، فسرت المحبة بإرادة الطاعة واستلزمت اتباع رسوله.

وقال ابن عطاء الله : الحب في الله يوجب الحب من الله :

وهنا مراتب أربع: الحب لله ، والحب في الله ،والحب بالله ، والحب من الله ، فالحب لله ابتداء، ، والحب من الله انتهاء ، والحب في الله وبالله واسطةٌ بينهما. والحب لله أن تؤثره ولا تؤثر عليه سواه ، والحب في الله أن تحب فيه من ولاه.

والحب بالله : أن تحب العبد ما أحبه ، وما أحبه منقطعاً عن نفسه وهواه، والحب من الله أن يأخذك من كل شيء فلا تحب إلا إياه.

وعلامة الحب لله : دوام ذكره.

والحب في الله : أن تحب من لم يحسن إليك بدنيا من أهل الطاعات.

والحب بالله : أن يكون باعث الحظ بنور الله مقهوراً.

والحب من الله : أن يجذبك إليه فيجعل ما سواه عنك مستوراً(8) ، وعندما نقيد الحب ونجعله في الله فإنه يُخْرِج العبد تماماً عن الهوى والعلاقات الذاتية والعلاقات الشيطانية التي لغير الله ( كحب النصارى للمسيح ، وحب اليهود لموسى ، وحب الرافضة لعلي ، وحب الغلاة لشيوخهم وأئمتهم مثل من يوالى شيخاً أو إماماً وينفر عن نظيره وهما متقاربان أو متساويان فى الرتبة )(9).

فالحب في الله قائم على أساس متين ألا وهو الترابط بين المتحابين للقيام بواجب التناصح والتعاون بما يحقق للجميع الحياة الحقيقية التي قال الله عنها: ” مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ “(10).

 

إنه الحب الصادق الذي قال الله عنه : “الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ “(11).

قال ابن كثير رحمه الله : أي كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة ، إلا ما كان لله عز وجل فإنه دائم بدوامه ، وهذا كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه :” وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ ، وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ “(12).

وإنما المؤمن من يوالى جميع أهل الايمان .

قال الله تعالى :” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة “(13).

وقال النبي عليه الصلاة والسلام:” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه “(14).

وقال :” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر “(15).

وقال عليه الصلاة والسلام : ” لا تقاطعوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله اخواناً “(16).

 

ومما يبين الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر كان يحب النبي مخلصاً لله ،وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله ، فتقبل الله عمل أبى بكر وأنزل فيه :” وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ، وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى ، إِلا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى “(17).

وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله ، بل ادخله النار ،لأنه كان مشركاً عاملاً لغير الله ، وأبو بكر لم يطلب أجره من الخلق لا من النبي ،ولا من غيره ، بل من آمن به وأحبه وكلأه وأعانه بنفسه وماله متقرباً بذلك إلى الله وطالباً الأجر من الله)(18).

وما أحسن قول يحيى بن معاذ : حقيقة الحب في الله : أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء(19).

وهذا يشعر أن الخلاف في أمر من أمور الدنيا لا يُنقص من الود شيئاً لأن كل شئ يهون عند المتحابين في الله مهما اختلفوا.

قال علي رضي الله عنه : عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة ، ألا تسمع إلى قول أهل النار :” فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ،وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ”(20).

قال عبد الله بن عمر : : والله لو صمت النهار لا أفطره ، وقمت الليل لا أنامه ،وأنفقت مالي غلقاً في سبيل الله ، أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصية الله ما نفعني(21).

________________

 

(1) ابن منظور جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي ، لسان العرب ، تحقيق عبدالله علي الكبير وهاشم الشاذلي ، دار الكتاب المصري ، القاهرة ، 1/289.

(2) ابن القيم ، بدائع الفوائد ، تحقيق هشام عبد العزيز عطا ، مكتبة نزار مصطفى الباز ، مكة ، الطبعة الأولى ، 1416ـ1996 ، 2/321.

(3) سورة يوسف الآية رقم : 30.

(4) ابن القيم، مدارج السالكين ، تحقيق محمد حامد الفقي ، دار الكتاب العربي ،بيروت ، الطبعة الثانية ، 1393ـ1973 ، 3/28.

(5) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، مختار الصحاح ، تحقيق : محمود خاطر ، مكتبة لبنان ناشرون – بيروت ، الطبعة الأولى ، 1415 – 1995، ص 24.

(6) أخرجه أبو داود في سننه رقم 4681 ، والحديث صحيح لغيره.

(7) أخرجه أبو داود في سننه رقم 4599 بإسناد ضعيف.

(8)عبدالرؤوف المناوي ،فيض القدير شرح الجامع الصغير ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، الطبعة الأولى ، 1356هـ ، 1/167.

(9) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، مجموع الفتاوى ،الطبعة الثانية، 1406هـ،18/320.

(10) سورة النحل الآية رقم : 97.

(11) سورة الزخرف الآية رقم : 67.

(12) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر ، بيروت ، 1401هـ ، 4/134، والآية رقم 25 من سورة العنكبوت.

(13) سورة الحجرات الآية رقم : 10.

(14) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 466 ومسلم في صحيحه رقم 2585 .

(15) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 2585 .

(16) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 4849ومسلم في صحيحه رقم 2563 .

(17) سورة الليل الآيات رقم : 17ـ21.

(18) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، مجموع الفتاوى ،مرجع سابق،11/525.

(19) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ،تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب ، طبعة دار الريان للتراث ،القاهرة ، 1407 هـ ـ 1986م،1/62.

(20) عبد الرؤوف المناوي ، فيض القدير شرح الجامع الصغير ،مرجع سابق 5/412 والآية رقم 100ـ101 من سورة الشعراء.

(21) المرجع السابق 3/264.

اترك تعليق

اترك رد

  Subscribe  
نبّهني عن