الخلافة الراشدة والديمقراطيون الغربيون

أضيف بتاريخ: 10 - 10 - 2017 | أضيف في: مقالات| عدد المشاهدات : 116

الخلافة الراشدة والديمقراطيون الغربيون

( ضمن موضوع دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية وأصول الأحزاب السياسية)

الحلقة (19)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

يخاف الديمقراطيون الغربيون من خطر قيام “دولة الخلافة الراشدة” التي تطبق الشريعة الإسلامية وفق منهاج النبوة، لأن ظهور هذه الخلافة معناه اتحاد المسلمين تحت راية شرعية واحدة.

ولذا حاول الغربيون تشويه سمعة الإسلام والمسلمين من خلال عدة أدوات لتقويض وحدة المسلمين والحيلولة دون قيام دولتهم دولة الخلافة الراشدة التي يحلم بها المسلمون، ومن أشهر هذه الأدوات الغربية المحمومة ما يلي:

أولاً : تشويه صورة الإسلام والمسلمين من خلال الجماعات الجهادية ذات الفكر الخارجي المنحرف كمجاهدي ” الدولة الإسلامية – الدواعش” و” تنظيم القاعدة” و ” أنصار الشريعة” و “حركة الجهاد السلفي” والميليشيات الشيعية في العراق ولبنان وسوريا وباكستان واليمن وغيرها، ليقولوا للعالم هذا هو الإسلام وهؤلاء هم المسلمون الإرهابيون الذين ليس في دينهم رحمة سوى ذبح الرجال والنساء والأطفال وتفجير الأسواق والمنازل ومحاربة رجال الأمن وقيام الثورات والانقلابات التي تزعزع الأمن والاستقرار، وهكذا يصور الغربيون لشعوبهم صورة الإسلام والمسلمين بشماعة الإرهاب والخوف لمحاولة منع انتشار الإسلام في بلدانهم من جهة، ومن جهة أخرى لتقويض وحدة المسلمين والحيلولة دون قيام دولتهم دولة الخلافة الراشدة، ولكن كلما ضغطوا على المسلمين وشوهوا سمعتهم وسمعة دينهم الإسلامي المطهر، كلما ازداد الإسلام انتشاراً في العالم كله، لأن الله ناصر دينه ولو كره الكافرون.

ثانياً: دعم الغربيين للطرق الصوفية منذ القدم حتى هذه الساعة.

يقول العلامة البشير الإبراهيمي: “ابحثوا في تاريخ الاستعمار العام، واستقصوا أنواع الأسلحة التي فتك بها في الشعوب، تجدوا فتكها في استعمال هذا النوع الذي يسمّى “الطرق الصوفية”، وإذا خفي هذا في الشرق، أو لم تظهر آثاره جلية في الاستعمار الإنكليزي، فإن الاستعمار الفرنسي ما رست قواعده في الجزائر وفي شمال أفريقيا على العموم وفي أفريقيا الغربية وفي أفريقيا الوسطى إلا على الطرق الصوفية وبواسطتها، ولقد قال قائد عسكري فرنسي معروف، كلمة أحاطت بالمعنى من جميع أطرافه قال: “إن كسب شيخ طريقة صوفية أنفع لنا من تجهيز جيش كامل” [آثار البشير الإبراهيمي (4/36)].

ويقول برنارد لويس: ” إن الغرب يسعى إلى مصالحة التصوف الإسلامي ودعمه لكي يستطيع ملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة، وإقصائه نهائياً عن قضايا السياسة والاقتصاد، وبالطريقة نفسها التي استُخدمت في تهميش المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة” [جريدة (الزمان) ـ العدد (1633) ـ التاريخ (12/10/2003م). وهو رئيس منتدى الشرق الأوسط بالولايات المتحدة].

وقد أقيمت مئات المؤتمرات والندوات بمباركة غربية وتشجيع دولي من الأنظمة الغربية والعربية والإسلامية لدعم الطرق الصوفية في البلاد العربية والإسلامية وغير الإسلامية في الدول ذات الأقليات الإسلامية منذ قرون قديمة حتى هذه الساعة، وخرجت هذه المؤتمرات بنتائج وتوصيات تدعو إلى وضع أهداف ومقترحات وخطط ووسائل وبرامج ومشاريع بحثية وميدانية تساعد على تفعيل دور الطرق الصوفية، وذلك بنشرها ودعمها من خلال زواياها ومراكزها في العالم، وتطويرها بإنشاء جامعات ومجلات وصحف وقنوات فضائية، وإذاعات ومواقع إلكترونية وغيرها ، ومن هذه المؤتمرات:

مؤتمر يناير عام (2001م ) الذي عقد بمدينة ماينز الألمانية حيث كان تركيزه على: الإسلام الحديث والطريقة النقشبندية ـ المجددية الصوفية، والأولياء الصوفيين وغير الصوفيين.

ثم تلاه مؤتمر آخر في 28/3/2001م عقد في مدينة بامبرج الألمانية وهو المؤتمر الثامن والعشرون للمستشرقين الألمان، ومن ضمن البحوث التي قدمت في المؤتمر بحث بعنوان «الأخوة الصوفية كحركات اجتماعية»، و (الحركة النقشبندية في داغستان ) و (التيجانية ) في غرب أفريقيا، وصورة الموالد الشعبية في مصر.

وفي عام (2003م ) شهدت مدينة (الإسكندرية) في الفترة من (18 ـ 21) إبريل المؤتمر العالمي للطريقة الشاذلية بمدينة الإسكندرية، وقد انعقدت جلسات المؤتمر بمكتبة الإسكندرية بالتعاون مع (منظمة اليونسكو) و(المركز الوطني الفرنسي للبحوث والدراسات العلمية) و (المعهد الفرنسي لآثار الشرقية) و (الوزارة الفرنسية للبحث العلمي) و (وزارة الخارجية الفرنسية) و (دار العلوم الإنسانية بفرنسا) و (وزارة السياحة المصرية).

وفي عام (2004م ) أقيمت على مدى عشرين يوماً محاضرات عن الحلاج وابن عربي وابن الفارض في الدانمارك.

وفي سبتمبر من عام (2004م ) تم افتتاح الأكاديمية الصوفية بمصر.

وفي 9/1/2004م أعلن في العراق عن تشكيل «الأمانة العليا للإفتاء والتدريس والبحوث والتصوف الإسلامي» التي من أهدافها «إنشاء المدارس الدينية ودعم الطرق الصوفية».

وفي (10/9/2004م) أقيم مؤتمر وهو اللقاء الأول من: (لقاءات سيدي شيكر العالمية للمنتسبين إلى التصوف) تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس).

وفي ديسمبر من عام (2004م) أقيم في عاصمة مالي (باماكو) المؤتمر العالمي الأول للطرق الصوفية بغرب أفريقيا تحت شعار: (التصوف أصالة وتجدد).

وفي الفاتح من سبتمبر من عام (2005م) أقامت الجماهيرية الليبية مؤتمراً دولياً بعنوان: (الطرق الصوفية في أفريقيا/ حاضرها ومستقبلها)، ومن أهداف المؤتمر اقتراح الخطط والوسائل والبرامج التي تساعد على تفعيل دوره، أما شعار المؤتمر فهو: (معاً من أجل تفعيل دور الطرق والزوايا الصوفية في أفريقيا).

وفي(5) يوليو (2005م ) أقيم مؤتمر (حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر ) الذي بدأ أعماله في العاصمة الأردنية [ اقرأ حول هذه المؤتمرات من خلال مقال بعنوان “نقض العرى رؤية في البديل الغربي للأستاذ محمد بن عبد الله المقدي”].

وهناك مؤتمرات غربية وعربية يطول بسطها، وقد تم دعمها بالمال والدعم المعنوي، وتم افتتاح الجامعات والمعاهد والمراكز وصدور المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية والإذاعات لدعم الطرق الصوفية في العالم كله وخاصة في تركيا وإندونيسيا وماليزيا ومصر والمغرب وغيرها من الأوطان الأخرى.

وتعتبر تركيا منذ القدم حتى هذه الساعة أكبر حاضن وداعم للطرق الصوفية في العالم.

ففي (30/1/2004م ) نشرت جريدة (يني شفق ) التركية خبراً مفاده أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش ) عرض على رئيس الوزراء التركي (رجب طيب أردوغان ) خلال استقباله في البيت الأبيض يوم (28/1/2004م ) معالم المشروع الأمريكي الجديد لـ (الشرق الأوسط الكبير ) الذي يمتد من المغرب حتى إندونيسيا، مروراً بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز، وحسب ما جاء في الصحيفة؛ فإن المشروع طبقاً لما عرضه الرئيس الأمريكي، جعل من تركيا عموداً فقرياً، حيث تريد واشنطن منها أن تقوم بدور محوري فيه، حيث تتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني، لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لكي يتولوا التبشير “الصوفي” بنموذج الاعتدال المطبق في بلادهم، وأن هذا النموذج هو الأصلح للتطبيق في العالم الإسلامي”، وقد فعلت تركيا ذلك، وفي الحقيقة تتولى تركيا ذلك رسمياً منذ قيام الجمهورية التركية الحديثة عام 1923م، وتشرف على مجموعة جامعات ومراكز ومساجد صوفية على مستوى العالم، وقد زرت بعضها من خلال رحلاتي لبعض الدول غير الإسلامية، والتقيت ببعض الدعاة المتصوفة الذين شرحوا لي دعم تركيا السخي لهم وللطرق الصوفية في تلكم البلاد ووضع الراتب الشهري لأئمة المساجد والمؤذنين والمشايخ الصوفيين ممن هم تحت إدارة رئاسة الشؤون الدينية التركية، بل كانت الإمبراطورية التركية منذ تأسيسها عام 1453م قائمة على الطرق الصوفية ودعمها، ولا تشارك في الفتوحات الإسلامية إلا برفقة الدراويش وأصحاب الطرق الصوفية كما أشرت إلى ذلك في أكثر من مقال ولقاء.

ولما قامت الحرب على الدواعش في سوريا والعراق من التحالف الدولي واستمرت حتى هذا العام 2017م، أعلن الرئيس التركي الحالي طيب رجب أردوغان أنهم شاركوا في هذه الحرب في سوريا لأجل المحافظة على المشاهد والقباب التي بُنيت على قبور الأولياء، وهي قباب ومشاهد وأضرحة وبنيان بناها أصحاب الطرق الصوفية على قبور بعض الصالحين وقبور بعض مشايخ الطرق الصوفية.

ثالثاً : من أدوات الغرب لتشويه الإسلام والمسلمين دعم التشيع والميليشيات الشيعية في العالم.

وقد ظهر هذا الدعم جلياً في العصر الحديث عام 2001م عندما أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الحرب الصليبية على العالم الإسلامي باسم مكافحة الإرهاب وبدأ بغزو دولتين إسلاميتين، الأولى: أفغانستان، والثانية العراق، وأعطى فيهما الرئيس الأمريكي الضوء الأخضر لإيران التي شاركت الغزو في الدولتين، وتمت المذابح على يد الميليشيات الشيعية لأهل السنة في أفغانستان والعراق ولا زالت مستمرة حتى هذه الساعة من هذا العام 2017م، ثم توسعت هذه الميليشيات بدعم غربي وإيران سخطي حتى وصلت باكستان وسوريا واليمن وغيرها من دول العالم، بالمقابل تلعب السياسة الدولية دورها حتى هذه الساعة لتوهم مغفلي العالم أن العلاقات الأمريكية والغربية متوترة مع إيران لأجل تغطية العلاقة الحميمة بين الغرب وإيران من وراء الكواليس.

وهناك أدوات كثيرة استعملها الديمقراطيون الغربيون لتشويه صورة الإسلام والمسلمين حتى لا تقوم لهم قائمة، وقد أشرنا لكثير منها من خلال مقالاتنا السابقة في هذه الدراسة، فأغنانا عن تكرارها لكثرتها، ورغم هذه الوسائل والطرق العملية لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، فإنهم لم يكتفوا بذلك، بل صرحوا بمئات التصريحات العدوانية من خلال مؤتمراتهم ولقاءاتهم المتكررة بأنهم خائفون وقلقون من ظهور دولة الخلافة الإسلامية الراشدة، وإليكم بعض هذه النماذج :

النموذج الأول:

صرح وزير الداخلية البريطاني تشارلز كلارك في كلمة له في معهد هيرتيج في 6/10/2005م، بقوله: “لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات حول إعادة دولة الخلافة، ولا مجال للنقاش حول تطبيق الشريعة الإسلامية”[صحيفة سويفت نيوز، بتاريخ 24 يونيو عام2016].

النموذج الثاني:

تحدث رئيس وزراء بريطانيا توني بلير أمام المؤتمر العام لحزب العمال في السادس عشر من شهر يوليو عام 2005م، فقال “إننا نجابه حركة تسعى إلى إزالة دولة إسرائيل، وإلى إخراج الغرب من العالم الإسلامي، وإلى إقامة دولة إسلامية واحدة تحكّم الشريعة في العالم الإسلامي عن طريق إقامة الخلافة لكل الأمة الإسلامية”[ المصدر: مجلة الوعي، العدد 270-271 – السنة الثالثة والعشرون ـ العددان 270 – 271].

النموذج الثالث:

يقول مورو بيرجر في كتابه “العالم العربي المعاصر”: إن الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام، يجب محاربة الإسلام، للحيلولة دون وحدة العرب، التي تؤدي إلى قوة العرب، لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره “[ الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي لمحمد البهي (ص19)].

النموذج الرابع:

وفي الرابع عشر من يناير 2006م، كتب “كارل فيك” تقريراً مطولاً في صحيفة “واشنطن بوست” ذكر فيه أن إعادة إحياء الخلافة الإسلامية الذي يهاجمه الرئيس الأميركي جورج بوش يتردد في أوساط السواد الأعظم من المسلمين.

وفي 14/1/2006 نشرت صحيفة الواشنطن بوست مقالًا علقت فيه على كلام بوش حول الخلافة وجاء في المقال: ” إن المسلمين متلهفون لعودة الخلافة وأن الخلافة تشكل خطرًا يهدد الغرب وإدارة بوش بالذات مما دعا لذكرها”.

وهناك أقول أخرى يطول بسطها تظهر أيضاً خوف الغرب من ظهور الخلافة الإسلامية الراشدة التي تطبق الشريعة الإسلامية لأنها لو ظهرت فإنها ستقود العالم كله تحت نظام إسلامي موحد.

وقد كرر الغربيون في أكثر من مؤتمر أننا كمسلمين مختلفون فيما بيننا وغير متحدين اليوم، ومع ذلك يقولون ويكررون أيضاً : أننا مهما غفلنا وتفرقنا وضعفنا، فلا بد أن يأتي اليوم الذي نستيقظ فيه، ونتفق، ونتحد لنكون يداً واحدة تحت راية إسلامية واحدة.

بل يقرون أنه سيأتي اليوم الذي نجابههم فيه ونعد العدة لدحرهم.

لذا أقول: إن من إعداد العدة اليوم وترتيب الصفوف تعليم الناس المنهج النبوي الصحيح الذي انتصرت به الأمة على الأعداء وفتحوا به الأمصار، ولن تصلح الأمة إلا به، فهو الدافع الأول إلى الصفوف المتقدمة.

ويشمل هذا الاعداد العلم الصحيح، والعودة لمنهج الله الرباني، وبيان خطر عداوة الأعداء لنا وبيان أن من العدة ما هو ثقافي وقد تقدم، ومنه ما هو بدني، وهو الاستعداد وحيازة القوة والعتاد بحيث لا نبدأ بمجابهة العدو إلا وقد وضحت الراية واتحدت الصفوف وفق منهاج النبوة، وليس وفق الأفكار القومية المتحجرة والمتحزبة لأنها أفكار وأحزاب تنتهي بالمعارضات والمناحرات وتفرق الصفوف لكون أصولها تتعارض مع شريعة الله المطهرة الحكيمة.

قال الله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”.

الأعداء أعداءً، لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فعداوتهم لا تتوقف على الإسلام وأهله، بل مستمرة بأشكال متعددة لأجل تمزيق الصف الإسلامي الواحد، وحتى لا تقوم للمسلمين قائمة.

وكما قلت في مقال سابق: إن ديننا دين رحمة ورفق مع كل كافر مسالم أراد السلم والسلام وهو دين مواجهة عند القدرة ( والقدرة شرط ) لمن رفض السلم والسلام، فمهما ضعفنا وغابت قوتنا وتفرقنا اليوم فلا بد من يوم نكون فيه موحدين أقوياء بعز عزيز تحت راية شرعية موحدة وخلافة إسلامية راشدة وفق الكتاب والسنة على ما كان عليه الأوائل في العهد النبوي وعهود الخلفاء الراشدين الأربعة المهديين.

وللكلام بقية استأنفه بمشيئة الله من خلال مقال بعنوان: “مراحل الحكم في حياة المسلمين، والخلافة الراشدة”.

وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

اترك رد