صفات المتحابين الخُلَّص

أضيف بتاريخ: 26 - 08 - 2016 | أضيف في: مباحث منهجية| عدد المشاهدات : 844

صفات المتحابين الخُلَّص

 

المتحابون في الله يُعرفون بصفات جوهرية ورد ذكرها في جملةٍ من الأحاديث النبوية ، ومن أهم هذه الصفات بعد الإخلاص ومتابعة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال ثلاث صفات جوهرية :

الصفة الأولى : تذوقهم حلاوة الإيمان.

وقد سبق في حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :” ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار “(1).

فهذا الحديث يبين أن للإيمان حلاوة يتذوقها المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان كما يتذوق الشخص ما لذَّ من الأطعمة وطاب ، بل وألذ من ذلك وأطيب، لأن حلاوة الإيمان تختص بالروح وحلاوة الأطعمة تختص بالجسد الفاني.

لذا ( إذا وقع الذنب سلب حلاوة الطاعة والقرب ، ووقع في الوحشة فإن كان ممن يصلح اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة فحنَّتوأنَّت وتضرَّعت واستعانت بربها ليردها إلى ما عودها من بره ولطفه ، وإن ركنت عنها واستمر إعراضها ولم تحن إلى تعهدها الأول ومألوفها ولم تحسن بضرورتها وفاقتها الشديدة إلى مراجعة قربها من ربها عُلِم أنها لا تصلح لله )(2).

وهذا لأن النفس ذوَّاقة توَّاقة ،فإذا ذاقت تاقت .

ولهذا إذا ذاق العبد طعم حلاوة الايمان وخالطت بشاشته قلبه رسخ فيه حبه ، ولم يؤثر عليه شيء أبداً .

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضى الله عنه المرفوع : ” إن الله عز وجل يسأل الملائكة ، فيقول ما يسألني عبادي؟

فيقولون : يسألونك الجنة .

فيقول : وهل رأوها ؟

فيقولون : لا يا رب .

فيقول : كيف لو رأوها؟

فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد لها طلباً “(3).

فاقتضت حكمته أنأراها أباهم ، وأسكنه إياها ، ثم قص على بنيه قصته فصاروا كأنهم مشاهدون لها حاضرون مع أبيهم فاستجاب مَن خُلِق لها وخُلِقت له ، وسارع إليها فلم يثنه عنها العاجلة ،بل يعد نفسه كأنه فيها(4).

وما ذلك إلا أنهم وجدوا حلاة الإيمان في قلوبهم ، فكذلك من أحب لله

وأبغض لله .

في الوقت نفسه يُحْرِم الله حلاوةَ الإيمان قوماً جعلوا محبتهم لأغراضِ الشهوات والملذات الدنيوية الفانية ، ولم يأخذوا بطريقة سلفهم الذين أحبوا لله ، وأبغضوا لله ، وأعطوا لله ، ومنعوا لله حتى استكملوا بذلك الإيمان.

ففرقٌ بين جيلٍ وجيل.

( والواجب على كل مسلم أن يكون حبه ، وبغضه ،وموالاته ، ومعاداته تابعاً لأمر الله ورسوله ، فيحب ما أحبه الله ورسوله ، ويبغضما أبغضه الله ورسوله ، ويوالي من يوالي الله ورسوله ، ويعادي من يعادي الله ورسوله، ومن كان فيه ما يوالي عليه من حسنات ، وما يعادي عليه من سيئات عومل بموجب ذلك كفساق أهل الملة إذ هم مستحقون للثواب والعقاب، والموالاة والمعاداة والحب والبغض بحسب ما فيهم من البر والفجور فإن :”مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ”)(5).

الصفة الثانية : اخلاص الحب في القلب قبل اعلانه.

وهذا يظهر جلياً في حياة السلف الذين ذاقوا حلاوة الإيمان وارسوا مبدأ الحب في الله، فإن حبهم لإخوانهم ينبع من الداخل لصلاح قلوبهم وحسن معتقدهم قبل أن يكون الحب ظاهرياً.

وفي الحديث :” آلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله آلا وهي القلب “(6).

ولنتصفح شيئاً من تاريخهم من خلال بعض الآثار السلفية حتى نرى ذلك جلياً في حياتهم العملية :

فعن أبي إدريس الخولاني قال : دخلت مسجد دمشق ، فإذا فتى براق الثنايا وإذا الناس معه ، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه ، فسألت عنه؟

فقيل : هذا معاذ بن جبل، فلما كان من الغد هجَّرْتُ فوجدته قد سبقني بالتهجير ، ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته ، ثم جئته من قبل

وجهه فسلمت عليه ثم قلت له : والله إني لأحبك لله .

فقال : آلله.

فقلت : آلله .

فقال : آلله .

فقلت : الله ، فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه.

فقال : أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في”(7).

فإن الحب لما وقر في قلب أبي إدريس الخولاني لمعاذ بن جبل بادر وأعلمه بما يُكِنُّ في قلبه من الود والمحبة.

وجاء في حديث آخر :أن أبا سالم الجيشاني أتى إلى أبي أمية في منزله

فقال : إني سمعت أبا ذر يقول إنه سمع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول :” إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه لله، وقد جئتك في منزلك “(8).

وغيرها من الآثار التي يطول ذكرها.

قال الخطابي : معناه الحث على التودد والتألف ، وذلك أنه إذا أخبره أنه يحبه استمال بذلك قلبه واجتلب به وده ،وفيه أنه إذا علم أنه محب له ووادٍ له قَبِلَ نصيحته ولم يرد عليه قوله(9).

الصفة الثالثة : اكتساب محبة الصالحين.

هناك أسباب كثيرة لاكتساب محبة الناس ومن أهمها أمران :

الأول : إخلاص الحب للمحبوب، ولا محبة فوق محبة المخلوق لخالقه فمن أحب الله أحبه الله ورضي عنه وأرضى الناس عنه ،ولذا أخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحببه فيحبه جبريل .

فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه .

فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض(10).

فيجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبة والرحمة وناهيك بمن

يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته ويقبل عليه بأنواع

كرامته ويلحظه الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم ،وذلك

فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

الثاني : ترك ما في أيدي الناس بما قسمه الله لعبده.

فالعبد إن اقتنع بما كتب الله له من الرزق ولم يطلب الناس شيئاً أحبه

الناس لكونه اقتنع بما قسمه الله له ولم يسألهم أموالهم فأحبوه من جهتين

من جهة إيمانه الديني ، ومن جهة تعففه الدنيوي ومن كان كذلك كان

حسن السيرة عند أصحاب الأموال وهو عند الله من الصالحين، وهذا

مصداق لحديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال :” جاء رجل

إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟

فقال : ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك

الناس”(11).

وقال الحسن : لا تزال كريماً على الناس ، ولا يزال الناس يكرمونك ما

لمتعاط ما في أيديهم فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك

وأبغضوك .

وقال أيوب السختياني : لا يُقْبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان العفة عما

في أيدي الناس والتجاوز عما يكون منهم )(12).

وقد كان من فضل الله على المتحابين أن اتصفوا بصفة محبة الله لهم لكونهم أحبوا إخوانهم بصدق إيمانهم لا لدنيا فانية أو عرض زائل ، وزهدوا كل الزهد عما في أيدي الناس فالتقى المثيل بمثيله فاستحق الحبيبان محبة الله لصدق محبتهما فيه.

فلا يمكن لمجتمعاتنا الإسلامية أن تحيا حياة السعداء إلا بتآخيهم ومحبتهم في الله جلوعلا .

فإن المحبة في الله ديمومة الذكر بالمحاسن والفضائل في المجتمع الإسلامي لا لشيء إلا كونها قامت على إيمانٍ صادقٍ وعقيدةٍ صحيحةٍ .

هؤلاء هم أهل الإيمان المتحابون في الله بإخلاصٍ تامٍ وصدقٍ مستمر.

أما أهل الشهوات والملذات والأموال والتجارات فإنهم إن اجتمعوا كان اجتماعهم على مصلحة زائلة أو دنيا فانية .

ولذا فبنيانهم سريع الهدم منقطع المصلحة لا بركة فيه.

لماذا ؟

لأن نفوسهم تعلقت بالماديات المحسوسة ولم تتعلق بالله جل وعلا، حتى ظن الكثير من الناس أن التاجر وما ملك من الأموال لم يحصل عليها إلا بذكائه وتوقد فطنته ومحض إرادته !

فتقرَّب إليه البعض حباً فيما عنده من حطام الدنيا، وبقي الحال كذلك حتى زال ذلك المال، وظهر الفقر.

ومن ثَمَّ اختفت تلك المحبة وغاب صيتها وكأن الأمر لم يكن .

فَحُرِمُوا من محبة الصالحين لكون محبتهم لم تكن في الله.

وما أحسن ما قاله ابن عباس في عبد الرحمن بن عوف:” جعل الله تعالى

له في قلوب العباد مودة لا يلقاه مؤمن إلا وقره ، ولا مشرك ، ولا منافق إلا عظمه “

وقيل : يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة(13).

ـــــــــــــــــــــ

(1) سبق تخريجه صفحة 12 ، التعليقة رقم (2).

(2) ابن القيم ، طريق الهجرتين وباب السعادة ، تحقيق عمر بن محمود أبو عمر ، دار القيم ، الدمام ، الطبعة الأولى 1414هـ ـ 1994م ، 1/269.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 6045.

(4) ابن القيم ، مفتاح دار السعادة ، دار الكتب العلمية ،بيروت ، 1/9.

(5) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، مجموع الفتاوى ، مرجع سابق ، 35/94.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 52 ومسلم في صحيحه رقم1599 .

(7) أخرجه أحمد في مسنده رقم 22083 ، والحديث صحيح.

(8) أخرجه أحمد في مسنده رقم 22083وإسناد ضعيف لكن يشهد له حديث المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه  . أخرجه أحمد في مسنده رقم 17210 ،وإسناده صحيح.

(9) محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب ، عون المعبود شرح سنن أبي داود ، دار الكتب العلمية – بيروت ، 14/21.

(10) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 2309، 6040 ، 7485 ومسلم في صحيحه رقم 2637.

(11) أخرجه ابن ماجه رقم 4102 ،والحديث حسن لغيره.

(12) ابن رجب ، جامع العلوم والحكم ، دار المعرفة ، بيروت ، ط1،1408هـ ، ص300.

(13) العلامة محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ، تفسير القرآن العظيم ، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني ، دار الشعب ، القاهرة ، 1372هـ ، 11/161.