صفات المتحابين عامة

أضيف بتاريخ: 26 - 08 - 2016 | أضيف في: مباحث منهجية| عدد المشاهدات : 596

صفات المتحابين عامة

ما سبق ذكره من الصفات خاصٌ بالمتحابين الخُلَّص الذين يمكن أن يقال إنهم بلغوا منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وهناك طائفة من الناس أرسوا في نفوسهم الحب في الله إلا أنهم لم يبلغ الذرة العظمى التي عليها أولئك المتحابون الخُلَّص نظراً لضعف الوازع الديني إذ قد ينقص في الجملة صفة فأكثر حسب قوة الإيمان وضعفه .

إلا أن هناك صفات مشتركة لا بد من وجودها في المتحابين في الله من هذا الصنف ، يتفقون به امع أولئك المتحابين الخُلَّص ، ومن أهمها :

1- التقوى .

قال تعالى : ” الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ “(1) .

المتقون : الذين نزع الله من قلوبهم حب الشهوات ، وقيل المتقى الذى أتقى الشرك وبريء من النفاق..

وسأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه أبياً عن التقوى ، فقال : هلأخذت طريقاً ذا شوك ؟

قال : نعم .

قال : فما عملت فيه ؟

قال : تشمَّرت وحذرت.

قال : فذاك التقوى.

قال أبو الدرداء : وقد قيل له إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حُِفظ عنك شيء ، فقال :

يريد المرء أن يؤتى مُنـاهُ    ويأبى الله إلا مـــا أرادا

يقول المرء فائدتى ومالى     وتقوى الله أفضلُ ما ستفادا

 

وروى ابن ماجه في سننه عن أبى أمامه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ” ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله “(2).

فكل محبة قامت على غير التقوى انتهت بعداوة لا تحمد عقباها :” أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ “(3).

2- الأخلاق الفاضلة.

الأخلاق الفاضلة تدفع صاحبها نحو الإيجاب من الأمور ، ومن ذلك إصلاح النفس ، ومحبة الآخرين ، وخصوصاً من تربطه بهم علاقة الحب في الله.

ومهما يكن من شيء فإن مجتمعاتنا الإسلامية تفتقر إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.

وسبب افتقارها تَطَبُّعُ بعض أبناءها بطابع الشرق والغرب وانشغالهم بدنياهم عن آخرتهم إلا من رحم الله.

ومن شغلته دنياه عن آخرته انشغل عن شرائع الدين ومكملاته ،وكل من ساءت أخلاقه جفت أخوته ، وفتر عن مكارم الأخلاق ، فضلاً عن معاليها ، ومن كان كذلك فلا ترجى مودته ولا صحبته ، لأنه لا يُجنى من الشوك العنب.

قال عبد الحميد الكاتب : وإذا صحب من أحدكم رجلاً فليختبر خلائقه ، فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه الحَسَن ،واحتال على صرفه عما يهواه من القبيح بألطف حيلة وأجمل وسيلة (4).

وأحسن أبو الفتح البستي عند أن قال :

 

نصحتُكَ لا تصحَبْ سِوى كُلِّ فاضِل

خَليقِ السّجــايا بالتَّعفُّف والظَّرفِ

ولا تَعتمِدْ غيرَ الكــِرامِ فواحِـدٌ

منَ النّاسِ إنْ حصَّلْتَ خَيرٌ منَ الألفِ

وأشفِقْ على هَذا الزَّمانِ ومــرِّه

فإنَّ زمانَ المَرءِ أضلَعُ من خَلْــفِ

 

3-الحلم والأناة

وهذه صفة مطلوبة في المتحابين في الله فإن المتعجل في الأمور لا يحسن توجيه من يحب لكونه متعجلاً في تصرفاته .

وفي صحيح مسلم يقول النبي عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس :” إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة “(5).

وسببقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا إلى المدينة بادروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقام وعثمان عند رحالهم فجمعها ،وعقل ناقته ، ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقربه النبي صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : تبايعون على أنفسكم وقومكم ؟

فقال القوم : نعم .

فقال عثمان يا رسول الله : إنك لم تزاود الرجل عن شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ، ونرسل إليهم من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ، ومن أبى قاتلناه.

قال : صدقت ،إن فيك خصلتين . الحديث.

قال القاضي عياض : فالأناءة تربصه حتى نظر في مصالحه ، ولم يعجل ، والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله ، وجودة نظره للعواقب(6).

فمن كان مصادقاً فليبحث عن الشخص الحليم المتأني خشية أن يوقع صديقه في المزالق التي لا تحمد عقباها.

فالحلم والأناة صفة العقلاء الذين يمعنون في الأمور قبل الخوض فيها.

وهذه الصفة تتفاوت ميزيتها من شخص لآخر.

4- ترك الهوى

لا يُصاحب العاقلُ الصديقَ الذي تحكمه وتسيره الأهواء يمنة ويسرة، لكون المتبع هواه لا يستقر على حال ، ومثله كالذي استهوته الشياطين حيران في الأرض.

ولذا مقت الله عز وجل هذا الصنف وحذر منه فقال :” وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً “(7).

ومحل هذه الغفلة القلب ( ولا ريبأن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء فادا تُرِك صَدى .. وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب ، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر.

فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه ،وصداه بحسب غفلته .

وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق ، والحق في صورة الباطل، لأنه لمَّا تراكم عليه

الصدا أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه ، فإذا تراكم عليه الصدا واسود وركبه الران فسد تصور هو ادراكه ، فلا يقبل حقاً ولا ينكر باطلاً ، وهذا أعظم عقوبات القلب.

وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره .. فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر هل هو من أهل الذكر  أو من الغافلين وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطاً) (8).

وضلالة أكثر الناس، إنّما هي بسبب اتّباع الهوى، وعدم العلم :” وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ” (9).

فصاحب الهوى ضال بنفسه ، مضل لغيره لا يختاره أحد صديقاً إلا من غلَّب جانب المصلحة الدنيوية على المصلحة الأخروية.

________________

(1)  سورة الزخرف الآية رقم : 67.

(2) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ،مرجع سابق،1/65 ، والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه رقم 1857 ، وإسناده ضعيف.

(3) سورة التوبة الآية رقم : 109.

(4) السيد أحمد الهاشمي ، جواهر الأدب ، مؤسسة المعارف ،بيروت ،ص13.

(5) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 17.

(6) محمد بن عبدالرحمن المباركفوري ، تحفة الأحوذي ، دار الكتب العلمية ، بيروت،6/129 .

(7) سورة الكهف الآية رقم: 28.