فتوى حول ثورات الربيع العربي 2011م، ثورة 11 فبراير أنموذجاً

أضيف بتاريخ: 12 - 09 - 2019 | أضيف في: الفتاوى الشرعية| عدد المشاهدات : 100

فتوى حول ثورات الربيع العربي 2011م، ثورة 11 فبراير أنموذجاً

للدكتور صادق بن محمد البيضاني


س102 : بارك الله فيك لا يخفى على فضيلتكم أن ثورة 11 فبراير باليمن وكل ثورات الربيع العربي التي حدثت عام 2011م قضت على الأخضر واليابس، وبدل الله بها بلداننا العربية من بعد الأمن والاستقرار إلى الخوف والقتل والتهجير والفتن، وصارت أوطاننا مدمرة وضائعة وأحوالنا سيئة للغاية، وعندما نناقش بعض من قام بهذه الثورات لا يعترفون بخطئهم بسبب تورطهم أو تحزبهم، وزيادة على ذلك يحتفلون بفشلهم من كل عام كي يغطوا فشلهم ليضحكوا على عوام الناس، وقد ضاقت صدورنا من عدم تقبلهم للنصيحة، فما هو الحل بارك الله فيك، ونفع الله بك؟


ج102 : إذا كنت أخي السائل تؤمن بأن من قام بمثل هذه الثورة إخوانٌ لك في الاسلام فقد زالت كل المعوقات ولم يبق سوى التناصح والحوار بالعلم والحكمة والحلم بينكما بعيداً عن التشنج والاساءات، وإذا كنت تعتقد أن من قام بالثورات ليسوا بإخوان لك فإنه يصعب قبول نصحك لهم ولو كنتَ أعلم الناس.
يا إخواني في الله : ليس العيب أن يُخطئ الانسان، ولكن العيب أن يصر على الخطأ، وإذا كان كذلك فمن حقه كمخطأ أن تعلمه الصواب وتقيم عليه الحجة وتزيل عنه الشبهة، ومن حقه أيضاً أن تتلطف في نصحه وارشاده وإلا انكسرت العصا بينك وبينه ولم يقبل نصحك، فعلى الناصح أن يتفطن لمثل هذا المقام، ففي مثل هذا المقام أدَّبَ الله نبيه موسى وهارون عليهما السلام لما أرسلهما إلى فرعون، فقال لهما: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) [طه:44]، رغم علم الله الأزلي أن فرعون لن يفيده نصح الناصحين ولا وعظ الواعظين، ولكن لمَّا كان المقام تربوياً أوجب الله على نفسه إرشاد عباده إلى مقوِّمات النصح، ومن ذلك التلطف حال النصيحة.
قال معلى بن أيوب: «بينما الرشيد هارون يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي، فقال: لا ولا كرامة؛ قد بعث الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول قوْلاً لَيِّنا»([1]).
قال ابن القيم رحمه الله: «فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف، فإن معاملة الناس بذلك: إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته، وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو ومبغض فتطفئ بلطفك جمرته وتستكفي شره»([2]).

أنا ضد ثورات الربيع العربي من قبل قيامها بعشرين سنة، وقد سبق أن تكلمت عن أخطار الثورات قبل قيامها بعشرين سنة، وعديت هذه الثورات من الطرق غير السليمة للمطالبة بالحقوق والحريات والمساواة التي شرعها الاسلام، وليس موقفي هذا حباً للحكام الظلمة وتأييداً لهم على ظلمهم، فظلمهم منكر يجب انكاره،، وإنما درءا للمفاسد التي تنتج عن هذه الثورات، ولما قامت هذه الثورات عام 2011م كتبت عن أخطارها ونتائجها من خلال مؤلفاتي ومقالاتي وأدبياتي الشعرية وتحدثت من خلال دروسي ومحاضراتي، وقلت : إن السلطان الغشوم لم يقم سلطانه إلا بالسيف ولا زال يحرسه بالسيف، فحفاظاً على سلامة الدماء والبلدان والبعد عن بطشه لزم مناصحته بالطرق الحكيمة بمساندة العلماء الغيورين على الدين والعرض والوطن، وذلك للتأثير عليه، فهكذا قامت نصوص الشريعة السمحة، وهكذا نصح علماؤنا في القديم والحديث.
وقلت : خذوا العبرة من التاريخ وكيف انتهت ثورات من سبقكم حتى صارت وبالاً عليهم وعلى أوطانهم، وكانت الحصيلة الأخيرة الفشل، وقد تكررت هذه التجربة مرات ومرات دون أن تحقق نجاحاً ملموساً خلال سنوات طوال حتى اليوم، وهذا يعني أن الحل يكمن في الأخذ بقول نبيكم عليه الصلاة والسلام للصحابة: “إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ” ، فَلَمْ يَسْمَعْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: أَلا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالُوا: مَا قَالَ؟ ، قَالَ: ” إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ” ، قَالُوا: فَكَيْفَ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ كَيْفَ نَصْنَعُ؟ ، قَالَ: “تَرْجِعُونَ إِلَى أَمْرِكُمُ الأَوَّلِ”([3]).
إذن ما هو الأمر الأول؟ الجواب: أمرنا الأول في عصرنا الحاضر هو العودة إلى ما قبل التعددية الحزبية وما قبل ثورات الربيع، وهو التكاتف خدمة للدين والشعب والوطن وعدم التسرع في القضايا التي فيها ” الجمر تحت الرماد” وفق أدلة وضوابط الكتاب والسنة بعيداً عن التحزب، ونكون إخوة متناصحين وإن اختلفنا.

فأقول للسائل ومن يقرأ جوابي: من هو ضد هذه الثورات ومن هو معها جميعكم إخوة، وعليكم أن تتناصحوا وتتحاوروا بالعلم والحكمة والنقد الوجيه للوصول إلى ما يتوافق مع الكتاب والسنة وما فيه خير لدينكم وأوطانكم وعموم المسلمين، فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وقد أعطت الشريعة الإسلامية حق الحوار لكل من عارض أو خالف ليعبِّر عما في نفسه بإنصاف وأدب بما يراه دون أن يلزم الآخرين بغير الحق، وأعطته فرصة زمنية ليتكلم ويناقش ويناظر بما لديه من البراهين التي يزعم أنها حق، وألزمته الشريعة باتباع الحق دون غيره متى ما أقيمت عليه الحجة وأزيلت عنه الشبهة، وهذه قضية حتمية لا يمكن إنكارها لكثرة أدلتها من الكتاب والسنة وحال من سبقنا من الصحابة والتابعين.
لكن للأسف يفتقر الكثير – من الطرفين – ممن يحاور ويناظر في عصرنا الحاضر إلى أدب الحوار والمناظرة، حيث يتحول حوار بعض المحاورين من حوار إلى جدال عقيم يرفض من خلاله المناقش الحق رغم وضوحه ويعاند فيه، اتباعاً لهواه، والأدهى من ذلك أن يسند لك قولاً لم تقله، أو يفهم كلامك على غير مقصدك، فإذا وضحتَ وبينت له مقصدك، أصر على فهمه لكلامك رغم أن المتكلم أدرى بما قال، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه، وقد يكون المحاور مصيباً فيما أخذ على الآخر، فإذا اعترف الآخر بخطئه واستغفر، قيل له : لم يكن صادقاً، إنما اعترف مراوغاً أو لحاجة في نفسه، وهذه عيوب انتشرت في صفوف المسلمين الذين احتكروا فكرهم بفكر الحزب أو الجماعة أو الطائفة أو قول الشيخ أو المناظر، ولم يتحرروا من التقليد الأعمى، ولم يتجردوا لاتباع أدلة الكتاب والسنة كما كان أجدادهم في الرعيل الأول.

ثم الهدف من المناظرة أو الحوار أيها الإخوة سواء في موضوع الثورات أو غيرها : هو الوصول إلى الحق، لا الوصول إلى هزيمة فلان وإسقاطه وتعريته وفضحه، ولا للأجل نصرة الحزب أو الجماعة أو الطريقة أو نصرة المذهب أو قول الشيخ، وإنما الوصول للحق الذي قام عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
قال الإمام الشافعي رحمه الله : “ما كلَّمت أحداً قطُّ إلا أحببت أن يُوفَّق ويُسدد ويُعان , ويكون عليه رعاية من الله وحفظ , وما كلمت أحداً قطُّ إلا ولم أبال بيَّن الله الحقَّ على لساني أو لسانِه “([4])اهـ
وقال رحمه الله: “ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته واعتقدت مودته، ولا كابرني أحد على الحق ودفع الحجة الصحيحة إلا سقط من عيني ورفضته”([5]) اهـ.
وقال رحمه الله: “ما ناظرت أحداً أحببت أن يُخطئ”، وفي رواية: ” إلا صاحب بدعة، فإني أحب أن ينكشف أمره للناس”([6]) اهـ

والحاصل : اجعلوا بينكم وبين من قاموا بالثورات ” شعرة معاوية ” لتحاوروهم مهما اختلفتم معهم، ومهما قسا بعضكم على بعض، وحافظوا على أوقاتكم، واحذروا أن تنشغلوا عن عدوكم لانشغالكم بخلافاتكم، وتناصحوا جميعاً بالحكمة والعلم واللين والقول الحسن، ومن عنده الحجة الموافقة لأدلة الكتاب والسنة فهو صاحب الحق، ولزم الطرف المخالف أن يذعن للحق مهما عظمت حدة الخلاف، وبالله التوفيق.


( ([1]الدينوري، المجالسة وجواهر العلم (3/364).
(([2] ابن القيم، مدارج السالكين( 2/511).
([3]) أخرجه الطحاوي في “شرح مشكل الآثار” برقم ( 100) الطبراني في الأوسط برقم (8906) وصححه الألباني في “السلسة الصحيحة” برقم (3165)..
(([4] الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه (2/49) .
(([5] أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء (4/99).
(([6] ابن عساكر، تبيين كذب المفتري (ص34).