ما يفسد الحب في الله

أضيف بتاريخ: 26 - 08 - 2016 | أضيف في: مباحث منهجية| عدد المشاهدات : 821

ما يفسد الحب في الله

 

هناك أمور عدة إن طرأ أحدها كان بحق مفسداً للأخوة التي من روابطها الحب في الله ، ومن هذه الأمور وأهمها ما يأتي :

أولاً : الولاء لأعداء الله ، والبراء من عباد الله.

وأصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعاداة البغض ، فإن التحاب يوجب التقارب و الاتفاق ، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف .

وقد قيل : المولى من الولي وهو القرب ، وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه.

والعدو من العدواء وهو البعد ، ومنه العَدْوَة ، والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه وقرب إليه اتصل به كما أنه إذا عدي عنه ، ونأى عنه ، وبَعُدَ منه كان ماضياً عنه.

فأولياء الله ضد أعدائه يقربهم منه ويدنيهم إليه ويتولاهم ويتولونه ويحبهم ويرحمهم ، ويكون عليهم منه صلاة ، وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم وهو إبعاد منه ومن رحمته ، ويبغضهم ويغضب عليهم وهذا شأن المتوالين والمتعادين(1).

ولا يتم لمؤمن ذلك إلا بأن يجمع بين ما جمع الله بينه ويفرق بين ما فرق الله بينه ..

قد ذكر الموالاة والجمع بين المؤمنين فقولة تعالي :” إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ “(2).

وذكر العداوة بينهم وبين الكفار فقال :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ “(3).

ثم ذكر حال المستنصرين بهم فإن الموالاة موجبها التعاون والتناصر فلا يفرق بين المؤمنين لأجل ما يتميز به بعضهم عن بعض مثل الأنساب

والبلدان والتحالف على المذاهب والطرائق والمسالك والصداقات وغير ذلك بل يعطى كل من ذلك حقه كما أمر الله ورسوله ، ولا يجمع بينهم وبين الكفار الذين قطع الله الموالاة بينهم وبينه ، فإن دين الله هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا(4).

فكل ولاء لأعداء الله ، وبراء من عباد الله سبيل جلي للتباغض الذي يوجب التباعد والاختلاف سواء صدر من قريب أو بعيد.

قال تعالى :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”(5).

فالملاحظ في هذه الآية أن الله جل وعلا : (.. حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان من الآباء والإخوان بالظلم فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدها )(6).

فإن استحله كان كفراً بإجماع أهل الملة ، وصار من جنس الكافرين.

ثانياً الشرك.

قال تعالى : ” فإنه مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار “ٍ(7).

ومن حرَّم الله عليه الجنة كان من جنس الكافرين فيُحرمُ من التحاب والمحبة لأنه صار من أعداء الله ، والعداء يوجب التباعد والاختلاف ، ومن وقع في الشرك استحق حرمان المحبة.

و( الشرك على ثلاث مراتب ، وكله محرم ، وأصله اعتقاد شريك لله في ألوهيته ،وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية وهو المراد بقوله تعالى: “إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ”(8).

ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل وهو قول من قال : إن موجوداً لله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلهاً كالقدرية مجوس هذه الأمة ، وقد تبرأ منهم ابن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام .

ويلي هذه الرتبة الإشراك في العبادة وهو الرياء وهو أن يفعل شيئاً من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره ، وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث وهو مبطل للأعمال وهو خفي كل جاهل غبي ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه الرعاية ، وبيَّن إفساده للأعمال )(9).

والمشرك قلبه متعلق بغير الله لأنه لم يخلص حبه لله عز وجل فاستحق البغض والكراهية فحرم من المحبة وصار حبه مفسداً لأخوة الدين.

( والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب وأن لا يشرك بينه وبين غيره في محبته ، وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك في محبته غيره ويمقته لذلك ويبعده ولا يحظيه بقربه ويعده كاذباً في دعوى محبته مع أنه ليس أهلاً لصرف قوة المحبة إليه فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده ، وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال.

ولهذا لا يغفر سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )(10).

ومعنى ذلك أن محبة من أشرك بالله مستحيلة بين أهل الإيمان لأن الله علق الإيمان بعدم الشرك فقال في صفات أهل الإيمان :” والذين هم بربهم لا يشركون “(11).

ثالثاً الابتداع :

قال طائفة من السلف منهم الثوري : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يُتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها ، وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا : إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة، بمعنى أنه لا يتوب منها لأنه يُحسب أنه على هدى ولو تاب لتاب عليه كما يتوب على الكافر(12).

ومحبة المبتدعة بمعنى موالاتهم والرضى بما هم عليه من البدع المضلة أو السكوت عليها ، وهذه البدع تتفاوت إذ قد يصل بعضها إلى درجة الكفر حسب نوعية البدعة ، لكنها في الجملة تعكر صفو المحبة الإيمانية الشرعية وتقضي بالفرقة بين الخالي من البدع والمتلوث بها.

وقد ورد كثير من الأقوال عن سلفنا الصالح وعلماءنا الأجلاء في التحذير من مجالستهم ومخالطتهم فضلاً عن حبهم وموالاتهم ومن ذلك :

(1) قال أيوب السختياني : قال لي سعيد بن جبير : ألم أرك مع طلق؟

قال : قلت بلى ، فماله ؟

قال : لا تجالسه فانه مرجئ(13) .

(2) سئل الإمام الأوزاعي : عن القدرية ؟

فقال للسائل : لا تجالسهم(14).

(3) قال مجاهد : قلت لابن عباس : إني أردت أن آتيك برجل يتكلم في القدر ، فقال : لو أتيتني به لأسب أت له وجهه أو لأوجعت رأسه ، لا تجالسهم ولا تكلمهم(15).

(4) جاء رجل إلى مكحول من إخوانه فقال : يا أبا عبد الله ألا أعجبك أني عدت اليوم رجلاً من إخوانك؟

فقال : من هو ؟

قال : لا عليك.

قال : أسألك .

قال : هو غيلان.

فقال : إن دعاك غيلان فلا تجبه ، وإن مرض فلا تعده ، وإن مات فلا تمشِ في جنازته ، ثم حدثهم مكحول عن عبد الله بن عمر ، وذكروا عنده القدرية.

فقال : أو قد أظهروه ، وتكلموا به؟

قال : نعم .

فقال ابن عمر : أولئك نصارى هذه الأمة ومجوسها(16).

(5) قال أحمد بن الحسين إن أبا عبدالله [أحمد بن حنبل] سئل عن الخوارج ؟

فقال : لا تكلمهم ولا تصلي عليهم(17).

(6) قال محمد بن الحسين إن الفضل بن زياد حدثهم أن أبا عبدالله قال: الرافضة لا تكلمهم(18).

وغيرها من الآثار كثير ، وقد نقل الآجري في كتاب الشريعة والخلال في السنة وغيرهما مئات الآثار عن السلف في التحذير من مجالسة المبتدعة مما يدل على أنه لا ود ولا حب لمن كان مبتدعاً.

رابعاً : عمل الكبائر والإصرار على الصغائر

قيل لابن عباس الكبائر سبع ، قال : هي إلى السبعين أقرب.

وقال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس الكبائر سبع ، قال هي إلى السبعمائة أقرب منها إلا أنه لا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع اصرار.

وروي عن ابن مسعود أنه قال الكبائر أربعة : اليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله ، والشرك بالله ، دل عليها القرآن .

وروي عن ابن عمر هي تسع : قتل النفس ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ورمي المحصنة ، وشهادة الزور ، وعقوق الوالدين ، والفرار من الزحف ، والسحر ، والإلحاد في البيت الحرام ، ومن الكبائر عند العلماء القمار ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وسب السلف الصالح ، وعدول الحكام عن الحق ، واتباع الهوى ، واليمين الفاجرة ، والقنوط من رحمة الله ، وسب الإنسان أبويه بأن يسب رجلاً فيسب ذلك الرجل أبويه والسعي في الأرض فساداً

[ ونحو] ذلك مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن وفي أحاديث خرجها الأئمة .

وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملة وافرة.

وقد اختلف الناس في تعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها .

والذي أقول إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر ، ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره فالشرك أكبر ذلك كله وهو الذي لا يُغفر لنص الله تعالى على ذلك(19).

قال الشيخ حافظ حكمي : وعامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها ، ولا نكفر بالمعاصي مؤمناً إلا مع استحلاله لما جنى .. ولا نكفر بالمعاصي ، وأنها لا توجب كفراً ، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك ولا تستلزمه ولا تنافي اعتقاد القلب ولا عمله مؤمناً مقراً بتحريمها معتقداً له مؤمناً بالحدود المترتبة عليها ، ولكن نقول يفسق بفعلها ، ويقام عليه الحد بارتكابها ، وينقص إيمانه بقدر ما تجارا عليه منها(20).

والصغائر ما دون ذلك وقد سميت بهذا الاسم لكونها أصغر جرماً من الكبائر.

وروي عن ابن عباس أنه قال لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع

الاستغفار(21).

فإذا كان فاعل الكبيرة أو المصر على الصغيرة فاسقاً فإنه لا يحل مصاحبته ومحبته حتى يتوب من ذلك ، ولذا قال موسى :” رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ “(22).

وحاصل هذا المبحث أن كل ما أوجب كفراً أو فسقاً كان مفسداً للمحبة في الله وموجباً للبغض بين الناس.

ـــــــــــــــــــــ

(1) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس ، قاعدة في المحبة ، تحقيق :الدكتور محمد رشاد سالم ، مكتبة التراث الإسلامي ، القاهرة ، ص198.

(2) سورة المائدة الآية رقم: 55.

(3) سورة المائدة الآية رقم: 51.

(4) أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس ، قاعدة في المحبة ، مرجع سابق ، ص133.

(5) سورة التوبة الآية رقم : 23.

(6) محمد بن علي الشوكاني ، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار ابن حزم ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2/503.

(7) سورة المائدة الآية رقم : 72.

(8) سورة النساء الآية رقم : 48.

(9) العلامة محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ، تفسير القرآن العظيم ، مرجع سابق ، 1372هـ ، 5/181.

(10) ابن القيم ، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ، دار الكتب العلمية ، بيروت، ص128.

(11) سورة المؤمنون الآية رقم 59.

(12) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، مجموع الفتاوى ،مرجع سابق ،11/684.

(13) عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني ،  السنة ، تحقيق : الدكتور محمد سعيد سالم القحطاني ، دار ابن القيم ، الدمام ، الطبعة الأولى ، 1406هـ، 1/323.

(14) عبدالله بن أسعد بن علي اليافعي ، كتاب مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المتزلة، تحقيق : محمود محمد محمود حسن نصار، دار الجيل  ،  بيروت ، الطبعة الأولى ، 1992م ، ص150.

(15) أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري ، لشريعة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ،    ص215.

(16) أبوعبدالله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي ،الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة ، تحقيق الدكتور عثمان عبدالله آدم الأثيوبي ، دار الراية ، الرياض ، الطبعة الثانية ، 1418هـ ، 2/216.

(17) أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخلال أبو بكر ،  السنة ، تحقيق : د الدكتور عطية الزهراني ، دار الراية – الرياض ، الطبعة الأولى ، 1410هـ ،1/157.

(18) المرجع السابق ، 3/494.

(19) العلامة محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ، تفسير القرآن العظيم ، مرجع سابق ، 5/151.

(20) حافظ بن أحمد حكمي ، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ، تحقيق : عمر ابن محمود أبو عمر ، دار ابن القيم ، الدمام ، الطبعة الأولى ، 1410هـ – 1990م ، 3/1039.

(21) العلامة محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ، تفسير القرآن العظيم ، مرجع سابق ، 5/151.

(22) سورة المائدة الآية رقم : 25.