مكانة الأخوة في الإسلام

أضيف بتاريخ: 08 - 08 - 2016 | أضيف في: مقالات| عدد المشاهدات : 3٬435

مَكانةُ الأُخوَّة في الإسْلام
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

للأخوة الإسلامية مكانة عظيمة في الإسلام لكونها تمثل المجتمع الإسلامي الواحد ، لذا نجد أن الإسلام اهتم بهذا الجانب اهتماماً بالغاً.

قال تعالى: “وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَتَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَألفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً”(1)

قال ابن جرير (2) في تفسير هذه الآية: “يعني: فأصبحتم بتأليف الله -عز وجل- بينكم بالإسلام وكلمة الحق والتعاون على نصرة أهل الإيمان والتآزر على منخالفكم من أهل الكفر إخواناً متصادقين لا ضغائن بينكم ولا تحاسد”(3) اهـ.

وقال الله تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة” (4) أي في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب”.(5)

وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم على نحو ما أمره به الشرع؛ كي يحافظ علىالمجتمع المسلم من خلال توجيهاته وكثرة نصائحه ودعوته إلى روابط الأخوة كالتعاون وحسن الظن وطلاقة الوجه والتواضع ونحوها مما يوثِّق رابطة الإخاء بين المسلمين، حيث نجد هذا الإهتمام منه صلى الله عليه وسلم من جهتين:

الجهة الأولى: من حيث أقواله صلى الله عليه وسلم؛ فقد أمرهم بحسن الظن بإخوانهم المسلمين والتعاون معهم وزيارتهم واتباع جنائزهم ونحوها من الأمور المهمة التي تدل على مكانة الأخوة الإيمانية في الإسلام وفي قلوب المؤمنين، فقال صلى الله عليه وسلم: “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” (6)، وقال: “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلْينفعه” (7)، وقال: “من عاد مريضاً نادى منادٍ من السماء، طبت وطاب ممشاك وتبوَّأتَ من الجنة منزلا” (8) وقال: “من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يُصلى عليها ويُفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط” (9) ونحوها من الأواصر الحية.

الجهة الثانية: من حيث أفعاله صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم القدوةَ الحسنةَ للمسلمين عامة، فإنه لا يقول القول ويدعو إليه إلا كان أولَ من يعمل به، ولنتأمل ما جاء من حديث البراء (10) رضي الله عنه قال:  “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره،…، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة (11):

اللهمَّ لولا أنتَ ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فأَنْـزِلنْ سكينـةً علينـا
وثبتِ الأقدامَ إنْ لاقينا
إنَّ العدا قدْ بغوا علينـا
إنْ أرادوا فتنةً أبينــا

يرفع بها صوته” (12).

وكل ما تقدم من الآيات والأحاديث دليل على أن للأخوة مكانة كبيرة فيالإسلام، يمكن إيجازها في أمور:

(1) دعوة المجتمعات إلى جمع الكلمة ونبذ الخلاف.

(2) توطيد أواصر الأخوة الإيمانية في المجتمع المسلم.

(3) العمل على تحقيقها من خلال الحقل الدعوي.

ولما كان تحقيق ذلك أمراً لا بد منه، شرع الله سبحانه وتعالى لعباده وحدة الولاء والصف كـي يقوم بناء الأمة بناء قوياً وتظهر هيبتها أمام الأمم والشعوب.

فليت شعري من يدرك مكانة الأخوة ويسعى جاداً لإعادة هذا الصرح المشيد إلى واقع هذه الأمة المباركة بما يوافق الكتاب والسنة بعيدا عن التكتلات الحزبية التي فرقت المسلمين الى مجموعة أحزاب وأضعفتهم.


(1) سورة آل عمران، الآية رقم (103).

(2) محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، إمام عصره وفقيه زمانه من أهل آمل، طبرستان، ولد سنة 224هـ، ومات في شوال سنة 311هـ، وكان متفنناً في جميع العلوم، له الكتاب الكبير المشهور في تاريخ الأمم، وله كتاب التفسير الذي لم يصنف مثله، وكتاب تهذيب الآثار، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة [تذكرة الحفاظ، تأليف شمس الدين الذهبي (2/710)، تحقيق حمدي السلفي، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى 1415هـ].

(3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تأليف: محمد بن جرير الطبري (3/378)، دار الفكر، بيروت، 1405هـ، (4) سورة الحجرات، الآية رقم (10).

(5) الجامع لأحكام القرآن الكريم، للعلامة محمد بن أحمد القرطبي (16/274)، تحقيق أحمد عبدالعليم البردوني، دار الشعب، القاهرة، الطبعة الثانية 1372هـ.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب النكاح، باب لا يخطب من خطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، (5/1976 رقم 4849)، ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها (4/1985 رقم 2563)] من حديث أبي هريرة.

(7) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمّة والنظرة (4/1726 رقم 2199)] من حديث جابر.

(8) أخرجه ابن ماجه في سننه (كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عاد مريضاً (1/464 رقم 1443)] من حديث أبي هريرة.

(9) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الإيمان، باب إتباع الجنائز من الإيمان، (1/26رقم 47) ] من حديث أبي هريرة.

(10) البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي يكنى أبا عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل، نزل الكوفة، ومات بها سنة 72هـ، وأول مشاهده أحد، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وغيرهم وعنه عبد الله بن زيد الخطمي وأبو جحيفة وغيرهما [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، مصدر سابق (1/278)] وكذا [تهذيب التهذيب لابن حجر (1/372)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1404 هـ].

(11) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا محمد وقيل: أبو رواحة، أحد النقباء، شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعده لأنه قتل يوم مؤتة شهيداً، وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله  [أسد الغابة لابن الأثير (1/606)، مصدر سابق]، وكذا [الاستيعاب في معرفة الأصحاب تأليف: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (3/898)، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة: الأولى، 1412هـ].

(12) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجهاد والسير، باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق، (3/1103 رقم 2870)] من حديث أبي هريرة.